.
.
.
.
الانتخابات الإيرانية

إيران.. انتخابات رئاسية أم بيعة مع المرشد وخليفته؟

يرى بعض المراقبين أن النظام يحاول حرق حظوظ إبراهيم رئيسي في الوصول لمنصب المرشد لإفساح الطريق أمام مجتبى خامنئي

نشر في: آخر تحديث:

قائمة مجلس صيانة الدستور المتعلقة بالمرشحين للانتخابات الرئاسية الإيرانية فاجأت الموالين والمعارضين للنظام على حد سواء، وأثارت تساؤلات ممزوجة باستغراب، لا سيما أنها خلت من شخصيات كبيرة سجّلت لخوض المنافسة الانتخابية من قبيل علي لاريجاني "الابن البار" للنظام، والذي قد يؤدي إبعاده إلى إحداث فجوات عميقة في صفوف "الأصوليين". هذا الأمر يظهر أن السلطة الأعلى في إيران دفعت المجلس لاتخاذ هذا القرار من أجل تحقيق مصلحة كبرى.

مهمة المرشح الأبرز في قائمة المؤهلين

كان إقصاء أمثال الإصلاحي مصطفى تاج زاده، الذي ينتقد بين الحين والآخر الوضع الراهن ولا يستثني حتى المرشد علي خامنئي من انتقاداته، أو الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد الذي يتصرف كالمنشقين عن النظام، أمراً متوقعاً، لكن أن يعلن مجلس صيانة الدستور عدم تأهيل علي لاريجاني لم يكن متوقعا بتاتاً، وقد تكون حظوظ فوزه الكبيرة عبر حصوله على أصوات الإصلاحيين والأصوليين المعتدلين دفعت النظام لإبعاده عن طريق مرشح المتشددين الأصولي إبراهيم رئيسي.

ابراهيم رئيسي
ابراهيم رئيسي

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو لماذا تمت هندسة الانتخابات بواسطة مجلس صيانة الدستور لصالح رئيسي؟

رداً على هذا السؤال، يرى الكثيرون في الأوساط السياسية الإيرانية أن قرار مجلس صيانة الدستور يظهر خوف القيادة العليا للنظام من الموجة التي قد يخلقها الإصلاحيون في المجتمع لصالح لاريجاني مما سيلحق مرة جديدة الهزيمة بمرشح الأصوليين، كما حصل قبل ثماني سنوات حين فاز حسن روحاني الأصولي المعتدل بأصوات الأغلبية وبدعم من الإصلاحيين.

ولهذا السبب، انتاب الخوف المتشددين التواقين إلى السلطة التنفيذية، بعد استحواذهم مؤخراً على السلطة التشريعية. ومنعاً لتكرار نتائج انتخابات 2013، قرر مجلس صيانة الدستور عدم المجازفة فقام بإزاحة كل من يمكنه منافسة إبراهيم رئيسي، وأبرزهم الرئيس السابق للبرلمان علي لاريجاني، الأصولي المعتدل الذي تقلد خلال 40 عاماً مناصب عليا في النظام.

ورغم أن قرار مجلس صيانة الدستور محفوف بالمخاطر للنظام، لكنه قد يكون اتُخذ لسبب مهم للغاية وهو حرق حظوظ إبراهيم رئيسي للفوز بمنصب المرشد بعد خامنئي، عبر تحميله المهمة التنفيذية ومعضلاتها العديدة، خاصة الداخلية منها وسط الظروف المعيشية الصعبة والوضع الاجتماعي المعقد. كما ينتظر أي رئيس قادم لإيران معضلات خارجية من قبيل العقوبات الناجمة عن الأنشطة النووية، إضافة إلى علاقات إيران المتأزمة إقليمياً ودولياً.

لذا، فإن فشل رئيسي في الرئاسة لن يترك له فرصة للمنافسة على خلافة المرشد الحالي، خاصة أن شعبيته متدنية أساساً بسبب عضويته في "لجنة الموت" التي صادقت على إعدام ما يزيد عن 5000 سجين سياسي في 1988. وهكذا يتمهد النظام الطريق أمام مجتبى خامنئي، نجل المرشد الحالي، ليصبح هو الولي الفقيه.

مجتبى خامنئي
مجتبى خامنئي

وهنا قد توكل إلى إبراهيم رئيسي، بصفته رئيساً للجمهورية وبدعم من الفريق "الأمني العسكري المتشدد" المؤيد لمجتبى خامنئي، مهمة الوسيط الذي يسهل عملية تعيين الأخير في منصب المرشد الجديد للنظام. وهذا ما يفسر قرار مجلس صيانة الدستور إبعاد أي مرشح قد يعرقل وصول إبراهيم رئيسي إلى الكرسي الرئاسي.

ورغم ذلك يرى البعض رئيسي كأحد أبرز المرشحين لخلافة المرشد علي خامنئي البالغ من العمر 82 عاماً، معتبرين أن وجوده في منصب الرئيس قد يشق له الطريق إلى منصب المرشد.

من جانبه، رأى الصحافي والمحلل السياسي الإيراني المقيم في باريس رضا عليجاني، خلال مقابلة له مع إذاعة "آر. إف. آي" الفرنسية الناطقة بالفارسية، أن اختيار مجلس صيانة الدستور للمرشحين قد حوّل فعلياً الانتخابات الرئاسية إلى "بيعة لخامنئي" ولفائدة تعيين مجتبى مرشداً للنظام، مضيفاً أن هذا القرار قد تقبل به بعض التيارات داخل النظام.

سنوات من التمهيد للابن

وطوال سنوات حكم علي خامنئي كولي فقيه مطلق الصلاحيات، كانت قضية خلافته من أهم القضايا وأكثرها حساسية في إيران. ويتم التكهن بأسماء عدة لخلافته بهذا المنصب، إلا أن مجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى يستقطب معظم التكهنات.

وقد تعاظم دور مجتبى في إدارة إيران يوماً بعد يوم في جلباب أبيه ومن خلف الكواليس، ولم يجرؤ أحد على توجيه النقد له. هو الابن الثاني للمرشد، وكان يبلغ من العمر 20 عاماً عندما تولى والده المنصب. والآن بعد أن بلغ سن الـ51 عاماً وبعد حصوله على درجة الاجتهاد (أي أصبح "آية الله")، أتيحت له فرصة مزج تجاربه السياسية الخفية في مكتب أبيه مع صفته الدينية، ليتربع على كرسي الولي الفقيه. وما قد يسهّل مهمته هذه، اقترابه خلال عقدين من الزمن من الحرس الثوري ومن استخبارات الجهاز العسكري الأهم في إيران.

مجتبی خامنئي مع قاسم سليماني
مجتبی خامنئي مع قاسم سليماني

يذكر أن رئيس مكتب المرشد الأعلى الإيراني، محمد محمدي كلبايكاني، كشف ذات مرة أن "المرشد قد فوض الآن بعض مسؤولياتها إلى مجتبى".

فايننشيل تايمز سلطت الضوء على خلافة خامنئي

في يناير 2020، سلطت صحيفة " فايننشيل تايمز" الضوء على موضوع خلافة الزعيم الإيراني الحالي علي خامنئي، وكتبت بهذا الخصوص: "مجتبى يدرس الخارج في حوزة قم الدينية، وهذه الميزة في نظر البعض تؤهله دينيا ليشغل هذا المنصب (ولاية الفقيه)".

يذكر أن "درس الخارج" أو "بحث الخارج" تُعد المرحلة الأخيرة من الدراسة في الحوزات الدينية عند الشيعة الاثني عشرية، وتؤهل الشخص ليصبح مجتهداً ويحمل صفة "آية الله" بدلاً من "حجة الإسلام".

يذكر أن مجتبى يشبه والده علي خامنئي في طريقة التفكير السياسي والعسكري والاقتصادي، وقد تطور علاقاته للغاية بالحرس الثوري الإيراني والأجهزة الأمنية.

وفي يناير الماضي، نُشرت صور لمجتبى خامنئي إلى جانب صور والده المرشد في شوارع طهران، كتب عليها "لبيك يا مجتبى" و"نحن أتباع آل خامنئي"، في إجراء وصفه مراقبون بأنه تمهيد للمجتمع لقبوله كخليفة للمرشد علي خامنئي.

هذا السيناريو مطروح منذ عقد من الزمن وتدعمه الكثير من الأحداث، إلا أن القرار يعود في النهاية إلى مجلس خبراء القيادة وهو الهيئة الأساسية في النظام الإيراني الذي عهد إليه الدستور مهمة تعيين وعزل المرشد.

ويتألف هذا المجلس من 88 عضواً يتم انتخابهم عن طريق اقتراع شعبي مباشر لدورة واحدة مدتها ثماني سنوات، ويتكون حالياً من أغلبية متشددة موالية للمرشد علي خامنئي.

صورة في شوارع طهران كتب عليها لبيك يا مجتبى
صورة في شوارع طهران كتب عليها لبيك يا مجتبى