.
.
.
.
خاص

حوزة "قم" والموقف من الانتخابات الرئاسية الإيرانية!

المرشحان المستبعدان من السباق الانتخابي المقرر في 18 يونيو المقبل، الرئيس السابق لـ"مجلس الشورى" لاريجاني، والنائب الأول لرئيس الجمهورية جهانغيري، كلاهما تربطهما علاقات جيدة مع شخصيات دينية مؤثرة في حوزة "قم"

نشر في: آخر تحديث:

كان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ينصتُ باهتمام للمرجعيات الدينية التي زارها في مدينة "قم" الإيرانية، مارس 2019، وهو يعلم مدى التأثير الروحي والرمزي لهذه الشخصيات المتنوعة في أفكارها، والتي تحظى بمرتبة فقهية عُليا، بغض النظر عن توجهاتها السياسية المتباينة، بين المؤيدة لـ"الثورة الإسلامية" أو تلك المتحفظة عليها، وأخرى ليس لها موقف معلنٌ، إلا أنها جميعها حرص الوزير ظريف على لقائها والإصغاء لتوجيهاتها.

"لقد نصحت دائما بضرورة وجود علاقة قوية مع جيراننا والعالم الإسلامي، مع الحفاظ على كرامتنا ومصالحنا"، يقول آية الله الصافي الكلبيكاني للوزير ظريف، مشدداً على "ضرورة تعزيز التعاون على الصعيد الدولي، لا سيما مع البلدان الإسلامية والجوار".

نهجُ الصافي الكلبيكاني يمثلُ ديدنَ فقهاء المسلمين الشيعة الكلاسيكيين، المؤمنين بأهمية حفظ الأمن والنظام، وأن العلاقة مع الدول يجب أن يحكمها الاحترام المتبادل، بعيداً عن التوتر والنزاعات، لأن هؤلاء الفقهاء ينطلقون من قاعدة رئيسة، وهي: "حفظ أموال وأعراض ودماء الناس"، وذلك لا يتم دون وجود أجواء سياسية وأمنية واقتصادية مستقرة.

الرئيس السابق لجماعة مدرسي الحوزة العلمية الشيخ محمد يزدي
الرئيس السابق لجماعة مدرسي الحوزة العلمية الشيخ محمد يزدي

مبدأ الاستقرار

لم يكن الشيخ الصافي الكلبيكاني وحيداً في موقفه هذا، بل فقهاء آخرون مثل آية الله جعفر سبحاني، وآية الله الوحيد الخراساني، كلاهما شدد على مبدأ الاستقرار وحسن العلاقة مع دول الجوار، وهي ليست مواقف نابعة من تطابق اعتباطي، بل لمعرفتهم أن انتهاج سياسة معتدلة حوارية تشاركية بين إيران ودول الخليج العربية، من شأنه أن يخفف من حدة المشكلات القائمة، ويبعد عن المنطقة خطر الحرب، ويوجه الجهود نحو أهداف تحقق طموحات شعوب هذه الدولة، وبالتالي يتحقق الازدهار والتنمية والتحديث.

أهمية "قُم"!

مدينة "قُم" الإيرانية تضم ضريح السيدة فاطمة المعصومة، أخت الإمام علي بن موسى الرضا، الإمام الثامن للمسلمين الشيعة، ومقر الحوزة العلمية، حيث عشرات المجتهدين، ومجموعة من كبريات المرجعيات الدينية التي تنال احترام ملايين الشيعة حول العالم، هذه المدينة لها أهمية روحية وعلمية خاصة، ولذا زارها العام 2019 الوزير محمد جواد ظريف، ويقصدها أيضاً السياسيون المرشحون لمنصب رئاسة الجمهورية الإيرانية، علهم ينالون دعم ومباركة كبار المراجع.

المرشحان المستبعدان من السباق الانتخابي المقرر في 18 يونيو القادم، الرئيس السابق لـ"مجلس الشورى" علي لاريجاني، والنائب الأول لرئيس الجمهورية إسحاق جهانغيري، كلاهما تربطهما علاقات جيدة مع شخصيات دينية مؤثرة في حوزة "قم".

لو أخذنا لاريجاني – على سبيل المثال – سنجد أن والده واحدٌ من المرجعيات الفقهية المعروفة، الراحل آية الله هاشم آملي. كما أن زوجة لاريجاني هي ابنة أحد المجتهدين البارزين الذين انخرطوا في "الثورة" منذ شراراتها الأولى، وهو آية الله مرتضى مطهري، الذي اغتيل العام 1979. كما أن شقيق علي لاريجاني، هو آية الله صادق لاريجاني، الرئيس السابق لـ"السلطة القضائية"، وهو أيضاً مجتهد مشهودٌ له بالفضيلة العلمية، كما أن الشيخ صادق متزوج من ابنة آية الله الوحيد الخراساني، وهو مرجع ديني كلاسيكي، له أتباع في إيران وخارجها.

هذا التداخل العميق بين رجال سياسة مثل علي لاريجاني، وشخصيات علمية بارزة في الحوزة العلمية، يظهر مدى تأثير الفقهاء على الطبقة السياسية الحاكمة في طهران، وبالتالي فإن نفوذ الحوزة يتجاوز "الفقه" إلى "السياسة" بمعناها الأعم، وليس التفصيلي اليومي، وإن سعت بعض التيارات الدينية إلى محاولة "تسييس الحوزة"، وهو الأمر الذي يرفضه عدد من كبريات المرجعيات الدينية، لاعتقادهم بأهمية أن تبقى "الحوزة مستقلة عن هيمنة المؤسسة السياسية الحاكمة".

المرجع الديني الصافي الكلبيكاني وإلى جواره الرئيس السابق لمجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني
المرجع الديني الصافي الكلبيكاني وإلى جواره الرئيس السابق لمجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني

حدود الاستياء!

استبعاد "مجلس صيانة الدستور" لعدد من المرشحين البارزين لرئاسة الجمهورية الإيرانية، أثار حفيظة عدد من آيات الله، كان من أبرز من تحدث علانية حول ذلك الرئيس السابق لـ"السلطة القضائية" الشيخ صادق لاريجاني، الذي اعتبر أن "سبب الاضطرابات عقب قرار المجلس، يعود إلى حد كبير إلى زيادة مشاركة الأجهزة الأمنية في اتخاذ القرارات لمجلس صيانة الدستور، من خلال تقارير كاذبة".

أيضا، ورغم أنه لا ينظر إليه بذات الأهمية الفقيهة كآية الله لاريجاني، أبدى السيد حسن الخميني، امتعاضه من طريقة إدارة الانتخابات الرئاسية، مع الإشارة إلى أن بعض الجهات تقول إن حفيد الخميني، هو مجتهد برتبة "آية الله" والبعض الآخر يعتبره "فاضلاً، برتبة حجة الإسلام والمسلمين".

مواقف لاريجاني والخميني، تعكس عدم الارتياح الموجود داخل عدد من بويتات المرجعيات الدينية في حوزة "قم"، وهي مرجعيات تعتقد أن "العسكر والحرس الثوري باتوا الآن أكثر سيطرة على السياسة، وأن الأمن يتحكم في تحديد من يمتلكون الأهلية دون سواهم".

لقد نصحت دائما بضرورة وجود علاقة قوية مع جيراننا والعالم الإسلامي، مع الحفاظ علي كرامتنا ومصالحنا

الصافي الكلبيكاني

هذه الممارسات تجعل الكثير من الفقهاء يحجمون عن "النقد"، وينزوون بعيداً، أو يفضلون "إرسال النصيحة أو الانتقاد من خلال حواشيهم أو عبر مبعوثين خاصين أو من خلال الأحاديث في مجالسهم"، وذلك لأن بعضهم "خصوصاً الذين ليس لديهم موقف عدائي للنظام، لا يودون أن تظهر الخلافات العميقة على السطح". فيما "الذين لا يؤمنون بولاية الفقيه، ولديهم مواقف نقدية جذرية، يفضلون السكوت"، وذلك خشية من أن يتعرضوا للتضييق السياسي والأمني، كما حصل مع شخصيات سابقة مثل الشيخ حسين علي منتظري، والسيد حسن القمي، والسيد محمد الروحاني، والسيد محمد الشيرازي، وسواهم.

المواقف المتباينة

خبير بشؤون "الحوزة"، وفي حديث مع "العربية.نت"، أشار إلى أن "هنالك عدة اتجاهات داخل الحوزة العلمية بمدينة قم: الفريق الأول وهو واسع النفوذ مؤيد لنظام الجمهورية الإسلامية، وهؤلاء مع المشاركة في الانتخابات الرئاسية، وهم يلتزمون بقرارات مرشد الثورة آية الله خامنئي. الفريق الثاني ليس له موقف عدائي تجاه النظام بشكل عام، إلا أن لديه العديد من الملاحظات بخصوص إدارة البلاد والعلاقة بين التيارات السياسية والدينية، وهذا الفريق بالتأكيد سيكون ممتعضاً من استبعاد علي لاريجاني وإسحاق جيهانغيري، إلا أنه على الأغلب لن يتخذ موقفاً علنياً، في الوقت الذي لن يحث فيه مقلديه على المشاركة في الانتخابات، وسيلتزم السكوت". الخبير يكملُ لـ"العربية.نت"، قائلا: "الفريق الثالث، وهو أقل من الفريقين السابقين سيتخذ مواقف ناقدة علنية، مثل ما حصل في البيان الذي أصدرته مجموعة من المدرسين في الحوزة العلمية".

المرشد علي خامنئي مع الرئيس السابق للسطلة القضائية الشيخ صادق لاريجاني
المرشد علي خامنئي مع الرئيس السابق للسطلة القضائية الشيخ صادق لاريجاني

الناقدون العلنيون!

صحيفة "همشهري" الإيرانية، نقلت بياناً أصدره "مجمع مدرسي ومحققي حوزة قم"، وهو تجمع يضم عدداً من الشخصيات الدينية التي كانت من قبل محسوبة على التيار "الثوري" في بدايات تأسيس الجمهورية الإسلامية، وتسنم بعضها مناصب قيادية، إلا أنها وبُعيد وفاة آية الله الخميني، العام يونيو 1989، اختلفت مع المرشد الحالي آية الله خامنئي، وتحولت إلى الضفة الأخرى "الإصلاحية".

البيان انتقد "تقييد تصويت الشعب وجمهورية النظام، عندما لجأ مجلس صيانة الدستور إلى الموافقة على الرقابة وجعلها ممارسة مهيمنة"، معتبراً أنه "نظراً للاستبعاد الواسع النطاق للمرشحين للانتخابات الرئاسية، يعلم الجميع أن هذه الانتخابات الفرعية ستكون غير شعبية، وبدون منافسة وبأقل قدر من المشاركة، وتقع على عاتق مجلس صيانة الدستور مسؤولية محاولة تقويض الجمهورية من خلال تأسيسها شرعيتها الخاصة".

المرجع الديني الشيخ الصافي الكلبيكاني مستقبلا الوزير محمد جواد ظريف
المرجع الديني الشيخ الصافي الكلبيكاني مستقبلا الوزير محمد جواد ظريف

البيان يقف خلفه مجموعة من علماء الدين، أبرزهم: بيات زنجاني، وعبايي خراساني، وموسوي تبريزي.

رغم الأهمية السياسية التي يحظى بها البيان، إلا أن مشكلته تكمن في "أن القائمين عليه محدودو التأثير، وشعبيتهم سواء داخل الحوزة العلمية أو لدى عامة الإيرانيين ليست بالواسعة"، بحسب خبير في شؤون الحوزة تحدثت معه "العربية.نت"، مضيفاً "شخصية مثل بياتي زنجاني يدعي المرجعية، وهو مدرس للبحث الخارج، كما أن موسوي تبريزي مدرس أيضاً للبحث الخارج؛ إلا أنهما لا يقارنان مع مرجعيات كبار مثل الوحيد الخراساني أو الصافي الكلبيكاني أو شبيري زنجاني"، وبناء على ذلك "سيبقى صوتهم ضعيف التأثير، في الوقت الذي ينظر البعض إلى أن موقفهم نابع عن خلاف بينهم وبين المرشد الحالي آية الله خامنئي، وليس لأنهم إصلاحيون حقيقيون" كما يقول المصدر الذي تحدثت معه "العربية.نت"، معتبراً أن "المصداقية الأكبر هي تلك التي يتمتع بها تيار الفقهاء التقليديين، الذين لا يوافقون النظام على تصرفاته تجاه من يختلف معهم، إلا أن هؤلاء الفقهاء سيلوذون بالصمت، وهو صمت اعتراضي يخفي الكثير".

المؤيدون للمشاركة

على العكس من الموقف السابق النقداني، أصدرت "جماعة علماء ومدرسي الحوزة" بمدينة "قم"، بياناً أيدت فيه إجراءات "مجلس صيانة الدستور"، معتبرة أن "اهتمام مجلس صيانة الدستور العميق بالمعايير القانونية وسياسات الانتخابات العامة، يمهدان الطريق لتطوير النظام الإسلامي في تعزيز الديمقراطية الدينية، وتحقيق الاختيار الصحيح من قبل الناس"، داعية إلى "تحقيق أقصى قدر من الحضور والاختيار الواعي".

"جماعة المدرسين"، التي تحظى بنفوذ واسع، كان يرأسها الراحل آية الله محمد يزدي، وهو رجل دين بارز، وقع بينه وبين رئيس "مجلس تشخيص مصلحة النظام" آية الله صادق لاريجاني، سجالٌ حاد علني، العام 2019، اضطر تدخلاً من جهات عُليا لوضع حد له!

من هنا، سيكون من الطبيعي أن تؤيد "جماعة المدرسين" إجراءات "مجلس صيانة الدستور" التي استبعدت علي لاريجاني، بسبب الموقف السلبي القديم من رئيسها السابق تجاه عائلة لاريجاني، خصوصاً أن "الجماعة" تعتبر بمثابة الجبهة العلمية المنافحة عن "أسس الثورة" داخل الحوزة العلمية.

هذه المواقف تبين أن "الحوزة العلمية" ليست على موقف واحدٍ تجاه الانتخابات الرئاسية في إيران، فهي في الوقت الذي يسعى كبار الفقهاء فيها لتعزيز السلم والأمن والبعد عن الانقسامات، تجد الحوزة ذاتها محاطة بصراع "شرس" بين القوى السياسية، وتدخل متزايد من "الحرس الثوري"، وهو ما يعتقد مراقبون أنه "سيدفع كبار فقهاء الحوزة، خصوصاً الكلاسيكيين منهم إلى مزيد من الانكفاء، ومحاولة الحفاظ على قدر أكبر من استقلال الحوزة والمرجعية عن المؤسسة السياسية الحاكمة في إيران".