.
.
.
.
الانتخابات الإيرانية

محتشمي.. رفيق درب الخميني الذي هجر الجمهورية!

رغم مكوث محتشمي في النجف بمعية الخميني إلا أنه نظر بشيء من الازدراء لنهج مرجعيتها، الذي كان يعتبره "مهادناً" للسطات وضعيفاً!

نشر في: آخر تحديث:

كان في مدينة النجف العراقية رفقة معلمه وملهمه السيد روح الله الموسوي الخميني، ملازماً له، مؤمناً بأفكاره، متحمساً لها، ذلك السيد علي أكبر محتشمي، الذي رفع راية عالية من النقد للمرجعيات الدينية الكلاسيكية، معتبراً نموذج آية الله الخميني هو الصورة المثلى التي على الفقهاء أن يكونوا عليها؛ ولذا، رغم مكوثه في النجف بمعيةِ الخميني، إلا أنه نظر بشيء من الازدراء لنهج مرجعيتها، الذي كان يعتبره "مهادناً" للسلطات وضعيفاً!

محتشمي، غادر النجف وحوزتها العلمية تالياً، وذهب مع الخميني في رحلة الثورة، حتى عودته إلى إيران العام 1979، وتأسيسه نظام "الجمهورية الإسلامية" التي كان علي أكبر محتشمي إحدى شخصياته الرئيسة، وعنصراً فاعلاً في مكتب الولي الفقيه ومقرباً منه.

الهجرة المعاكسة!

فيروس كوفيد -19، أعاد محتشمي مرة أخرى إلى إيران، العام 2021، حيث توفي في يونيو الجاري، بعد هجرته المعاكسة – هذه المرة - حيث ترك الجمهورية التي ناضل من أجل تأسيسها، قبل نحو عشر سنوات، وذهب إلى منفاه الأخير، وهذه المرة إلى المدينة التي كان ينتقد حوزتها وفكر علمائها، أي "النجف"!

مفارقة عجيبة، أن تصبح النجف هي "المنفى الاختياري" لمحتشمي، بعد أن اتسع الخلاف بينه وبين رفاق الثورة، وتحديداً بعد انتخابات العام 2009، التي فاز بها الرئيس السابق أحمدي نجاد، وكان محتشمي فيها شخصية رئيسة في حملة المرشح الإصلاحي السيد مير حسين موسوي، الذي اعترض على نتائج الانتخابات تحت تأثير من السيد محتشمي، بحسب ما نقلته حينها وكالة "مهر" للأنباء، عن محمد علي أبطحي، الرئيس السابق لمكتب الرئيس محمد خاتمي، والذي تم توقيفه من قبل الأمن الإيراني، حيث نقلت عنه الوكالة قوله في اعترافاته أن "محتشمي بور تسبب بأكبر ضرر لموسوي، حيث أعلن محتشمي بور في الاجتماع الذي عقد في اليوم التالي للانتخابات، أنه قال لموسوي أن لا يقلق، لأننا لدينا من الوثائق بشأن التزوير ما يمكننا أن نغير مسار الانتخابات".

ربما هو "الحنين إلى الأستاذ" هو ما حمل محتشمي على اختيار النجف دون سواها، باعتبارها "الحضن الأول"، وذكريات "الثورة التي غيرها الرفاق". فقد قضى علي أكبر محتشمي وقته في النجف مسؤولاً عن منزل "الخميني" الذي أقام فيه أثناء فترة نفيه من إيران، وأدار حوزة علمية صغيرة هناك، وبقيت علاقاته محدودة جداً مع مرجعيات النجف وبيوتها العلمية الكلاسيكية، بسبب الاختلاف الفكري، حيث تقول بعض الأوساط إن "السيد علي أكبر محتشمي وأثناء إقامته في النجف إلى حين مرضه، بقي دون علاقات كبيرة مع بيوتات المراجع، رغم أنه لم يكن بذات النفس الثوري الراديكالي كما كان قبلاً، وبقي نشاطه محدودا جدا بين المدرسة العلمية التي يشرف عليها وزيارة مرقد الإمام علي بن أبي طالب".

المرشد الإيراني علي خامنئي
المرشد الإيراني علي خامنئي

المحطات الرئيسة!

اتسمت حياة علي أكبر محتشمي بالعمل السياسي والثوري المكثف، ويمكن أن يتم تلخيص المحطات الرئيسة في مسيرته العملية في التالي:

1. مرافقة السيد روح الله الخميني في النجف إبان نفي الشاه محمد رضا بهلوي له إلى العراق، والعمل "الثوري" عبر توزيع خطابات الخميني المكتوبة والمسموعة، والتواصل مع شبكة الأنصار في الداخل الإيراني.

2. المشاركة في تأسيس "حزب الله" لبنان، العام 1982، وهو الأمر الذي أشاد به الحزب في بيان التعزية برحيل محتشمي، حيث قال "بذل سماحته جهوداً كبيرة عام 1982م بعد الاجتياح الإسرائيلي لمناطق ‏واسعة من لبنان.. وقَدم لها كل أشكال الدعم الممكن". حيث عمل محتشمي على توفير الدعم المالي واللوجستي والسياسي والتدريب، وذلك بإشراف تام منه، بوصفه جزءا من مكتب آية الله الخميني، وبتنسيق مع "الحرس الثوري" الذي لم يكن محتشمي جزءا من مؤسسته، إلا أن العمل الثوري ذلك الوقت كان متداخلاً، فالجميع يعمل من أجل "خدمة أهداف الثورة".

3. العمل الحكومي، سواء كسفير لإيران في العاصمة السورية دمشق، حيث كان مسؤولاً عن دعم "حركات المقاومة" في سوريا ولبنان؛ أو وزيراً للداخلية إبان حكومة رئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي، إضافة لمشاركته كنائب في "مجلس الشورى الإسلامي" لدورتين.

4. دعم حكومة الرئيس السابق محمد خاتمي، حيث كان السيد محتشمي مستشاراً للرئيس خاتمي في الشؤون الاجتماعية، من 1997 وحتى 1999. وجود محتشمي كان جزء من دوره في "الحركة الإصلاحية" التي انبثقت من جماعة "علماء الدين المناضلين"، والتي حصلت فيها تبدلات فكرية وسياسية عديدة، بعد مراجعات ضمن مراحل عدة، أدى ذلك إلى تحولها من جماعة توصف بـ"التشدد" إلى حاضنة للإصلاح السياسي، النسبي بطبيعة الحال، وفق الظروف الداخلية الإيرانية. ومحتشمي بما يمتلك من علاقة تاريخية مع مؤسسة الثورة آية الله الخميني، شارك في دعم الرئيس محمد خاتمي وأفكاره الإصلاحية، خصوصاً أن الخلاف الفكري والسياسي بين علي أكبر محتشمي والمرشد الحالي للثورة آية الله خامنئي قديم، ويعود إلى عهد المؤسس آية الله الخميني.

5. الانزواء عن العمل السياسي. وهذه المرحلة جاءت بعد الانتخابات الرئاسية في إيران 2009، والتضييق الكبير على نشاط الصحافيين والشخصيات الدينية والسياسية "الإصلاحية"، ولذا هاجر محتشمي إلى العراق، وتوقف عن الانخراط في الشأن العام. وكان من المرات النادرة التي شارك فيها في نشاط ذي طبيعة سياسية، توقيعه على "بيان" أصدره "عدد من كبار الدبلوماسيين الإيرانيين، رداً على فرض الولايات المتحدة الحظر على وزير الخارجية محمد جواد ظريف"، العام 2019، بحسب وكالة الأنباء الإيرانية.

المسار الإصلاحي!

علي أكبر محتشمي، الثوري والمؤمن الصلب بأفكار الخميني، ما الذي يجعله يتبنى "المسار الإصلاحي"؟

الإجابة عن هذا السؤال تقود إلى فهم التحول الذي لم يمر به محتشمي وحده، بل العديد من الشخصيات السياسية في إيران، وتحديداً المنتمية لجماعة "علماء الدين المناضلين".

الباحث المختص في الشأن الإيراني حسن فحص، وفي حديث خاص مع "العربية.نت"، يرى أن التحول الذي حدث لدى السيد محتشمي كان لأنه "الأقرب لزعيم الثورة السيد الخميني، وعاصر الجدل المبكر الذي رافق تأسيس الدول حول مفاهيم الجمهورية والإسلامية"، مضيفاً "فضلاً عن ذلك كانت هنالك نقاشات عميقة وحادة بدايات الثورة حول تحديد مسار الدولة والتعددية السياسية والأحزاب؛ وهو الأمر الذي أفرز تالياً وجود جماعتين هما "علماء الدين المجاهدين" و"علماء الدين المناضلين" وكلاهما أقر الخميني بوجودهما، وقال إن لا مشكلة في الاختلاف السياسي بينهما".

فحص وفي تحليله لشخصية محتشمي يرى أن "وزير الداخلية الإيراني السابق علي أكبر محتشمي، لديه شخصية مركبة من شقين: ثوري، وإصلاحي. في الشق الأول بقي محتشمي كما هو لم يتغير في دعمه لحزب الله وفلسطين ومنادياً بضرورة محاربة إسرائيل، حيث كانت لديه علاقات مبكرة مع منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، فضلاً عن دوره في تأسيس حزب الله، وتالياً علاقاته مع الفصائل الفلسطينية: حماس والجهاد الإسلامي، وهو أيضاً كان الأمين العام السابق للمؤتمر الدولي لدعم القدس وحماية حقوق الشعب الفلسطيني". أما في الشق الثاني فيرى الباحث حسن فحص أن "محتشمي كان لديه انفتاح سياسي واجتماعي، ولذا كان داعماً للرئيس السابق محمد خاتمي ولأفكاره، وكانت صحيفته من أوائل الصحف الإصلاحية الناقدة، ولذا تعرضت للإيقاف، فضلاً عن أن تجربته تطورت ونضجت أكثر مع مرور الوقت رغم بقائه على تشدده الثوري، إلا أنه صار ينحو صوب الانفتاح سياسياً وفكرياً واجتماعياً أكثر، وأن هذه التجربة لم تتوقف عنده ليكون الأخير فيها، بل هنالك شخصيات واصلت عملها، وتطورت تجربتها أكثر من تجربة محتشمي ذاته".