.
.
.
.

يوم الصداقة

لولوة الكواري

نشر في: آخر تحديث:
كنت جائعةً حين وصلت إلى مطعم البيتزا الذي يقبع أسفل البناية التي نسكنها بلندن، وكان المطعم مكتظّاً بوجوه ذات ألوان وثقافات مختلفة، وتعالت أصوات الموجودين محدثة ضجيجاً يبعث على الحياة. عندما استقبلتني النادلة وأوصلتني إلى الطاولة التي سأجلس عليها، ابتسمت لجاراتي العجائز الأربع في الطاولة الملاصقة، جلست وهن لا يزلن ينظرن إلي ويبتسمن، وبدا من أسلوب نقاشهن بأنهن يخمنّ بأنني من بلد عربي. ثم استرسلن في أحاديث متواصلة من الكلمات والضحك وبدت عليهن سعادة غامرة، وكلما نظرن نحوي رددت لهن الابتسام بالابتسام، فاقتربت إحداهن بوجهها مني، وسألتني من أين جئت؟ وبعد كلمات التعارف السريعة سألتهن، هل هن ممن يقمن في العاصمة، أم جئن هنا كسائحات؟ فردت عليّ بأنهن صديقات تربطهن علاقة صداقة منذ أكثر من ربع قرن، تعارفن فيها في هذه الحياة، وأيضا فرقتهن الحياة، لكنهن لا يزلن يحاولن التواصل بكلّ طرق للتواصل، وأصبحن يتّفقن في كلّ عام على اللقاء، وفي الأعوام الأخيرة كانت العاصمة لندن هي مقرّ اللقاء السنوي التي تقيم فيها الصديقة الأكبر سناً، أما من كانت تتحدّث معي فقد جاءت من الأرجنتين، ومن كانت بجانبها فقد جاءت من العاصمة الفرنسية باريس، أما الأخرى فقد جاءت من أستراليا. وأخذت أتحدث معهن بكلّ إعجاب لصداقتهن، وأخذنا الحديث عن الصداقات في الحياة، فقالت إحداهن وهي تنظر لصديقاتها بكلّ حبّ إنهن أقرب إليها من أقربائها الحقيقيين. انتهينا من الحديث الذي مرّ سريعاً، وسلمن عليّ بحرارة مودّعين ومبدين سعادتهن بتعارفنا السريع، كما أبديت سعادتي بالتعرّف عليهن، آملة لهن امتداد صداقتهن وسعادتهن باللقاء مدى حياتهن. ما أحوجنا لبناء صداقات في حياتنا، فما رأيته مثالاًَ للصداقة الحقيقية التي لا تؤثّر فيها المسافات، إنها الحاجة الحقيقية الماسة لوجود أناس نحبهم في حياتنا، ونسعد بوجودهم معنا. وأخذت أفكّر حقاً في أن هناك من الناس من أصبح يفقد أقرب أصدقائه ويخسرهم بسبب توافه الأمور، وبسبب أشياء دنيوية لا تضيف شيئاً بقدر ما تخلفه من ضياع العلاقات الحقيقية الصادقة، بينما هناك من الناس من يقدّر الصداقة ويقطع البحار وساعات السفر الطويلة المنهكة، من أجل لقاء صديق يقدّر تماماً الساعات الثمينة من العمر التي يلتقي فيها به. خرجت من المطعم وأنا سعيدة بما دار في بالي عن الصداقة، وبعد لحظات وجدت أختي وقد أرسلت لي هذه الكلمات: (مات شاب فقام أصحابه ببناء مسجد له، وماتت فتاة فحفرن صديقاتها لها بئراً، إنها ثمرة الصحبة الصالحة، اللهم أرزقني من أصحابي مَن يذكرني بعد موتي). قرأت ما أرسلته أختي بالمصادفة وابتسمت..إنه حقاً يوم الصداقة.

*نقلاً عن صحيفة "الشرق" القطرية
تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.