.
.
.
.

فتيات الليل في بغداد رهينات الفقر والميليشيات

أكل من مطاعم فاخرة يصل إلى زنزانة المقبوض عليهن

نشر في: آخر تحديث:
"كنتُ حاملاً في الشهر الثالث، عندما سرق زوجي مصاغي، وهجرني إلى الأبد فتَركت البصرةَ، وها أنا في بغداد أمنَحُ المُتعةَ لمن يدفع". هذه بداية قصة "وردة" (23 سنة) التي تنتهي، اليوم، في شقة، وسط العاصمة، تقضي الليل مع من يدفع لها 250 دولاراً وزجاجة مشروب.

اسمها الحقيقي ليس وردة بالطبع، وقد لا تكون من مدينة البصرة أصلاً. فهذا حال بنات الليل في بغداد، الأسماء المستعارة جزء من حزمة الاحتياطات التي يتخذنها في مجتمع يطاردهن ويتمتع بهن في آن، حسب ما جاء في تقرير لصحيفة "الحياة" عن معاناة فتيات الليل في بغداد.

سجن 5 نجوم لفتات الليل

ومن الصعب جداً اكتساب ثقة إحداهن، لكن غالبيتهن يشعرن بالحماس حين يتحدثن إلى صحافي، يشكين بلداً لم يوفر لهن فرصاً كريمة للعيش، وينظر إليهن بدونيّة.

في مركزٍ للشرطة في بغداد، زُج بعشرات بنات الليل في زنزانة صغيرة بعد عمليات دهم واسعة في أرجاء المدينة. في تلك الليلة كان العشاء يصل إليهن من مطعم فاخر، وبخدمة التوصيل المجاني، بينما يطلب مجهولون من الحرس إيصال علب الدخان وبعض الحاجيات إليهن. يقول ضابط شرطة ضاحكاً: "لا يشكل لهن السجن أي فارق، هذا فندق، وهنَّ في إجازة".

وبعد قضاء أيام قليلة في مركز الشرطة، خرجت الفتيات بكفالة مالية كبيرة. هذا الحدث لا يمثل سوى محطة مؤقتة في حياة الليل في بغداد، ولا يبدو كلام ضابط الشرطة دقيقاً، فقاع المدينة يسحق الفتيات من دون هوادة.

"الشيخة" تدير الفتيات وتؤمن حمايتهن

في منطقة قريبة من مركز العاصمة، في اتجاه الشرق، ترتفع عمارات سكنيّة يَشغلُ عدداً منها نساءٌ، تعرف الواحدة منهن في أوساط الشباب باسمِ "الشيخة"، وهن المشرفات على توفير السكن لشابات يبعن الهوى. إلى جانب السكن هناك خدمات أخرى، من بينها مستلزمات الوقاية الصحية والحماية، في ظل أوضاع متأرجحة ومقلقة اجتماعياً وأمنياً.

"الشيخة" تضمن شروط الأمن مع الشخص الذي يدفع ليصطحب الفتاة إلى مكانه الخاص. لكن هذه الطريقة تجاوزتها "الشيخات" عبر توفير أماكن المتعة في محالهن. وبينما تدفع المشرفة لأصدقائها من الشرطة، أو عناصر من الميليشيات المختلفة المسؤولة عن الأمن، تحصل الفتاة على 20% مما يدفعه الرجال.

والشيخة، في العموم، تجاوزت السن الذي يتيح لها تقديم تلك الخدمات بنفسها، وصار صعباً عليها اجتذاب الرجل، ولو نجحت فسيكون أجرها أقل بكثير مما تحصل عليه شابة في العشرينيات. لذا مع الوقت، تتحول فتاة الليل إلى "شيخة" تدير أخريات. وتقتصر حياة هذه الأخيرة على التحكم بمصادر التمويل، وعقد جلسات سهر وعشاء مع ضباط أو رجال أعمال من أصحاب النشاطات المشبوهة لعقد مزيد من الصفقات.

الأهالي يعترضون والسهر يستمر

في نادٍ ليلي يقع في قلب بغداد، حيث يستعيد الليل بعض عافيته منذ سنوات طويلة، داهمت الشرطة المكان وأغلقته بالشمع الأحمر، كجزء من حملات واسعة قادتها الحكومة ضد مخازن المشروبات الكحولية والملاهي.

وقال مصدر أمني رفيع المستوى إنه "قرار من الجهات العليا فهذه المرافق الترفيهية لا تملك رخصاً بالعمل". فيما قال بعض المسؤولين في بغداد إن "الأهالي غاضبون من انتشار هذه الأماكن"، بالتزامن مع حملات عبر "فيسبوك" تحمل اسم "لا للنوادي الليلية".

النادي هو أيضاً مطعم كان قبل إقفاله رسمياً تعرض إلى حريق أتى على واجهته الملونة، وأجزاء من مرافقه الداخلية. وشرح أحد العاملين الحادث قائلاً إنه "تماس كهربائي يوم كان النادي مشغولاً بالموسيقى الشرقية الراقصة، والحياة لا تتوقف فيه حتى الفجر". أما اليوم فالمشهد من الداخل ليس فوضوياً وحسب، بل إنه واحد من أشد علامات التناقض في بغداد، وشاهد على شعور سكانها بالتعب وثقل الحياة. فوسط تلك الفوضى، جلس رجال كثر على الطاولات المحيطة بمسرح تدور عليه فتيات بملابس رقص مثيرة، تبرز أجزاءً من أجسادهن. الجميع هنا يدفع للمتعة، وغالباً ما يقع شجار على إحداهن.

هؤلاء خليط من الشباب المنهكين من تذبذب فرص العيش، وثلة من رجال الأعمال الصاعدين إلى السوق بعد الحرب، وضباط يمسكون بمصادر القوة التي يقع فيها النادي.

زبائن متدينون أو منحرفون

وتقول "وردة" إن عدداً كبيراً من الزبائن "متدين ويشارك في فعاليات ونشاطات دينية كما يمارس الشعائر بانتظام". التصادم بين هؤلاء لا يكون سلمياً أبداً. يقول شرطي في المنطقة القريبة من النادي إنَّ "ضباطاً كانوا طرفاً فيها ولم تنته على خير، والسبب رهان على فتاة". ومن دون شك هذه الوقائع لا تدوّن رسمياً، أو أقله لا تتداول إعلامياً.

وتقول "وردة" التي اعتادت إيداع طفلها "حمادة" (4 سنوات) عند صديقة لها أثناء عملها: "أرقص على المسرح مع خمس فتيات، ويجتمع حولنا نحو 15 رجلاً ثملاً يفتحون شرائط النقود ويلقونها على أجسادنا، فيما يقوم شخص يعمل لمصلحة الشيخة بجمع الأموال. وعندما يختارنا أحد الرجال يدفع حساب طاولة للضيافة مع قنينة شراب، وننتهي في مكان ما".

لكن الأمر ليس بهذه البساطة، فـ"وردة" التي نجت قبل عام من مهووس مدمن على ضرب فتياته بحزام جلدي، فقدت صديقة لها كانت قد قضت ليلتها الأخيرة في منزل عصابة مخدرات شمال شرقي بغداد. قالت إنها شوّهت بالكامل.

اللاجئات السابقات يملأن البيوت السرية

لكن السؤال الذي يحاول الجميع الإجابة عنه يتعلق بالكيفية التي تجيء بها الفتيات إلى هذا العالم السري في العاصمة. الرواية التقليدية تفيد بأن الغجريات هن من يقدن حياة الليل، لكن هذه القصة قديمة حين كان أركان نظام صدام حسين يوفرون للغجر الحماية، نظراً إلى أن عدداً منهم حريص على تمضية أوقات معهن.

ولكن أحد ضابط "الشرطة المجتمعية" لديه رواية مختلفة: "فتيات الليل الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة تبدأ من رجال أعمال وسماسرة يصعب الوصول إليهم يوظفون أموالهم في تجارة الجنس. والأمر ليس جديداً على بغداد، سوى أن فتيات عراقيات عُدن من بلدان اللجوء مؤخراً، جعلن النوادي والبيوت السرية تكتظ بهن".

وكما يقول الضابط فإن محاولات الكشف عن السماسرة تنتهي بالفشل، لأن ثمة جماعات تملك النفوذ تضغط لإنعاش هذا السوق. بينما تقول "وردة"، التي أصبحت الآن مدمنةً على الكحول، حين تسألها عن تفكيك تجارة البشر في العراق: "هذا مجرد حلم".