في عشق الآثار

زاهي حواس
زاهي حواس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

وبسبب ما رأيته في هذا المكان قررت ترك الوظيفة والالتحاق بوزارة الخارجية، وكانت تعقد في ذلك الوقت دورات تدريبية تنتهي باختبارات لاختيار الأصلح. وبالفعل اجتزت بنجاح الاختبار التحريري في القانون والسياسة، لكني لم أوفق في الاختبار الشفوي بسبب ما ظننته في ذلك الوقت تعنتا من أحد الممتحنين. وكانت النتيجة الطبيعية هي عودتي إلى مصلحة الآثار، وهناك كانت تنتظرني مفاجأة كالصاعقة، حيث فوجئت بنقلي للعمل مفتشا لآثار تونا الجبل بصحراء المنيا، حيث الطبيعة القاسية واختفاء كل مظاهر المدنية التي تعودت عليها بعد طول إقامتي في القاهرة، وكذلك سنوات الدراسة في الإسكندرية.. ورفضت التنفيذ حتى قابلني على سلم الهيئة الدكتور جمال مختار - أول رئيس لهيئة الآثار المصرية بعد أن تحولت من مصلحة إلى هيئة – وبمجرد أن وقعت عيناه علي صاح في وجهي: «لماذا لم تنفذ قرار النقل يا أفندي؟!»، وهددنني بإحالتي إلى التحقيق إذا لم أنفذ قرار النقل.

وفي اليوم التالي وأنا في حالة من الضيق وجدت قرارا بضمي إلى بعثة حفائر كوم أبوبللو التي لم أكن حتى أعرف مكانها على الخريطة. ووجدتني داخل قطار المناشي، وكلما بعد عن القاهرة كان الغضب يزداد داخلي حتى أوشكت على الانفجار. وعندما وصلت إلى موقع الحفائر وجدت الخيام وقد نصبت لإقامة أفراد البعثة، وكذلك العمال، وكانوا من العمال المهرة المدربين على فنون الحفر الأثري والترميم، وينتمون إلى قرية قفط بمحافظة قنا بصعيد مصر، وقد تعلموا فنون الحفر الأثري على أيدي علماء الآثار الأوائل منذ أواخر القرن التاسع عشر؛ وأخذوا يتوارثون هذه الوظيفة جيلا بعد جيل، وكنت الوحيد بينهم من دون أي خبرة أو معرفة بمعنى الحفائر.

وأذكر أن ريس العمال كان اسمه الريس دكتور، ولم يكن يعرف القراءة والكتابة، لكنه عبقري في استخراج الآثار، وكان معنا الريس محمد ياسين أعظم المرممين المصريين الذين رأيتهم في حياتي... ومع هذين الرجلين كنت على موعد مع الحادثة التي غيرت مجرى حياتي.. وكان يوما صحوا من شتاء مصر، وقد ملأت الشمس المكان، ونشرت فيه الدفء والإحساس بالأمان، وكنت أستعد للذهاب إلى محطة القطار عائدا إلى القاهرة حينما دخل الخيمة الريس دكتور، وبكل ثقة واحترام وجدته يخبرني بأنهم عثروا على مقبرة جديدة؛ ومشيت خلفه ونزلنا معا إلى حفرة عميقة، وبدأت في إزاحة الرمال لتحديد حدود الدفنة، والريس دكتور يرشدني ويعطيني من خبراته، وفجأة انزاحت الرمال عن تمثال من الفيانس الأخضر البديع لربة الجمال عند الرومان أفروديت، وأخذت أنظف التمثال بالفرشاة، وعندما حملته من الرمال خفق قلبي ووقعت في عشق هذا العمل، وقلت في نفسي لقد عثرت على حبي.. ومن هذا اليوم والآثار

نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.