"تنطيط"

ثريا الشهري
ثريا الشهري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

حين يطل المطرب في مقابلة لا تكون على قدر مستواه الفني، يندهش الجمهور من ضعف الأداء والأسلوب، بينما واقعياً، نحن من رفعنا سقف توقعاتنا فلم تأتِ النتائج على علوها، ولو دققنا أكثر ومعنا المطرب المعني لاستوعبنا واستوعب مطربنا أن المطلوب منه فتح فمه للغناء، وللغناء فقط، أمّا آراؤه الشخصية في هذا وذاك في غير مواضع الطرب، فهناك ألف ومليون من هو أحسن منه في الحديث عنها وبالتفصيل الممتع، فمثل براعته في ملعب الغناء واختيار الألحان والكلمات، كذلك يكون غيره في مجال تخصصه. ولو أتى أعظم خبراء الفيزياء النووية للحديث عن الطرب لفشل وضاع منه الكلام، وضحكنا من جهله، ببعض الإشفاق والخجل عليه. والسؤال: من منا سمع أم كلثوم في غير أغانيها؟ وفيروز التي لم تهجر وطنها في أعوام حربه واقتتاله، واعترافها في لقائها النادر تحت سفح الهرم بأنها لا تجيد سوى رفع الصوت بالغناء. فليس بالضرورة على الإطلاق أن يتقن المطرب فن الارتجال حتى لو كان في بحره وعن بحره، والمفروض ألا يعيبه هذا النقص أو التحديد، فقد ولد مطرباً كبيراً، لا متحدِّثاً كبيراً.

فماذا إن حصل وجمع بين الاثنين؟ وإن تمّ له ذلك، ونادراً ما يكون، يفضّل أن يبقى في منطقته ليحافظ على صورته التي عرفه الناس بها، ودع الناس يختلفون حول صوته، لا بسبب قناعاته واعتقاداته، التي لا مانع من الإفصاح عنها في مجلسه ولقاءاته الجانبية بمعارفه وأصدقائه. فماذا إن تعرّض الوطن لمحنة تئن إلى إظهار المواقف الوطنية بكل شجاعة ووضوح؟ أم أننا نسينا أعداد الجمهور التي تقف خلف الفنان ومستعدة لتقليده وتتبّع خطواته في ما يقول ويفعل؟ هنا يأتي الوطن أولاً وآخراً. فقبل أن يكون الفنان فناناً، هو المواطن الذي عليه تذكّر واجبه تجاه وطنه وسيادة أرضه وأهله، عندها فقط قد يُعذر إن لم يأتِ حديثه على قدر مستواه الفني.

فماذا لدينا؟ لدينا مطرب لا يُنتظر منه غير الإجادة بفنه، ولكنه يصرّ على أن يتحفنا بآرائه العامة الركيكة، فيسمعنا من سقطات لسانه وهشاشة ثقافته ما يفاجئنا ويشوش علينا استمتاعنا بفنه لاحقاً. ثم حين يجدّ الجد في الليلة الظلماء، فإذا بلسانه أكله القط، وإن بقي شيء منه فيا ليت القط قد أتى عليه بالكامل، على الأقل لم نكن لنشعر بالغثيان ونحن نتابع فيلم «المتحولون» بنسخته الرديئة بالصوت والصورة. فلِمَ يصر المرء على تبخيس ذاته ومشواره، وفي ظنه أنه إنما يعلي منهما؟ ولكن كما قيل، فللذكاء الاجتماعي سحره في تسويق المرء بضاعته، فإن كانت جيدة ارتفعت بهذا النوع من الذكاء فوق درجتها درجات، وإن كانت دون الجيد كان الالتفاف حول عيوبها حتى تبدو بأنسب إطار ممكن، وكله يعزى إلى ذكاء صاحبها الاجتماعي. فماذا إن حرم الإنسان منه؟ هل يسعنا أن نقول إن الأمور في غيابه لا تبشِّر بخير؟ بل إن البضاعة الجيدة ستضيع سمعتها في زحمة سوء العرض والتدبير؟

أحياناً لا يتراجع الإنسان عن أهداف غير معلنة يسعى لإبراز نفسه أمام الملأ طمعاً في الوصول إليها يوماً، وهو طموح مشروع. أمّا الذكاء الاجتماعي والمنطقي فهو أن تدخل إلى الناس من بوابتك، وتترك عنك بوابة الآخرين للآخرين، فهم أعلم منك كيف يكون الدخول منها والخروج. فحين يستخدم المرء مفاتيحه فلن يرتبك لأنه يفتح قفلاً ليس بقفله، ومن بوابته وأقفاله سيبدأ المشوار بما يعرف ويتقن، وساعتها سيكون تألقه في اللعب جلياً ومرضياً عنه، وهذا بالضبط ما سيخدم هدفه ويقربه منه.

لو ألف المرء الكلام، لاكتفى به. أمّا إذا انشغل بالأعمال الجسام، فستتكلم عنه وترفع منه. على أن الأهم دائماً هو معرفة أين الطريق! أكثر من التركيز على سرعة الوصول و «النقز والتنطيط» إليه. فلا يغرنا الخلط بين النشاط - لكونه نشاطاً - وبين «الإنجاز الحقيقي»، الذي لعمري سيعلن عن نفسه مهما حُجبت عنه الشمس. تقول هيلين كيلير: «أنا لست سوى واحدة، لا تستطيع فعل كل شيء، ولكنها حتماً تستطيع أن تفعل شيئاً، هذا الشيء سأفعله بكل ما أوتيت، وسأفعله جيداً». لذلك هي هيلين كيلير.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.