مأزق أهل القلم
أهل القلم في مأزق لا يُحسدون عليه . كان لهم قاموس يعتزون بمفرداته، يتباهون بها، يرصعون بها المقولات والمقالات . هجم عليها النمل الأبيض فصار اللفظ الملهم هو الموهم المبهم . فما عليهم إن استطاعوا إلاّ أن يأتوا بمعجم آخر فيه كلمات أخرى .
كانوا، كأنما في أفواههم الشهد، ينطقون مفرداتهم بتؤدة وتلحين، يودّون لو مكثت الكلمة في الحلق أو تريثت عند الشفتين: الثقافة، الأخلاق، القيم، الإبداع، المعرفة، العلم، الحرّية، الديمقراطية، التحرير، السلام العالمي والقائمة طويلة، أطول بكثير، ولكن لا كطول الصبر العربي .
صار أهل القلم، لا يفكّون الخط، ولا يفهمون كنه الخطط، ولا يكتشفون الغلط، حين يتحدث الكبار في العالم بمفردات ذلك القاموس . أمسوا غرباء أمام الكلمات والمصطلحات التي كانوا يتصورونها ملك يمينهم . أصبحوا في حيرة من أمرها، كأنها غيّرت جنسها وطبيعتها وسيرتها وسلوكها .
ازدادت المشكلات تعقيداً، فقد ظهر من العالم العربي قوم من أصحاب الأقلام والأصوات والوجوه، ينادون ليل نهار بأن الصحيحة هي تلك التي تجري على ألسنة كبار العالم . العرب تسميّ هذا الفعل “ظلم ذوي القربى”، إجحاف وسائل إعلام عربية من الداخل والخارج، وهي ضدّ العرب . وسيكون أصحابها الهدف التالي على طريقة جزاء سنمار . مسألة وقت يأتي وقته، ودور يُملى ولا يدري من يؤدّيه أنه سيأتي دوره . بالمناسبة: شعرت بالرعب حين رأيت جون كيري في لندن وهو يقهقه في لقائه رئيس السلطة، والأخير شاعر بالأمان يبتسم . تذكرّت: “إذا رأيت نيوب الليث بارزة، فلا تظنن أن الليث يبتسمُ” .
يقيناً، إن بعض الظنّ إثم . في المقابل: إن بعض اليقين غباء . فالثقافة التي يريدها الكبار هي تدمير الثقافة واستفحال الأمية . والأخلاق هي نشر الفساد والاستبداد . والقيم هي العدمية والإمحاء . والحرّية والديمقراطية والتحرير رأيناها ونراها . وإذا لم نفهم ونتدارك فعلينا أن نحذف من الآن مفردات العرب والعربية والعروبة .
لزوم ما يلزم: على غرار ذلك الكتاب ذي الصفحات البيضاء: “ما لا يعرفه الرجال عن النساء”، علينا “تأليف” مثله بعنوان: “ما لا يعرفه العرب عن أنفسهم” .
نقلاً عن صحيفة "الخليج"