عندما تحدثت مع أبو الهول

زاهي حواس
زاهي حواس
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

عندما سألتني المذيعة الشهيرة لميس الحديدي وقالت: هل تتكلم مع أبو الهول؟ وأجبت فعلا أتحدث دائما إلى أبو الهول؛ وهو في رأيي الحجر الحي وأحس دائما وأنا أمامه بالرغبة في أن أفشي إليه بأسراري وأحلامي، وأن أتحدث إليه في كثير من الأمور الأثرية بل والسياسية والشخصية كذلك.. لا أخبئ شيئا عنه.

وقد حدثت الألفة بيني وبين أبو الهول وبنيت بيننا جسور من الثقة منذ عام 1987 عندما سقط حجر من كتف أبو الهول الأيمن.. ويومها اهتزت الدنيا كلها بسقوط الحجر، لأنه يخص أهم وأغلى شيء في وجود الهوية المصرية القديمة - وهو تمثال أبو الهول - والذي هو في حد ذاته مجرد حجر شكله الفنان المصري القديم على هيئة التمثال، وتكمن أسراره الحقيقية في هذا الفنان الملكي المجهول الذي استطاع نحت أضخم تمثال على الأرض بهذه النسب التشريحية الرائعة وإخراج أروع عمل فني صنعته حضارة، تعبيرا عن الملكية في مصر القديمة وإيذانا بتوهج الحضارة المصرية القديمة.

حينما نزلت لأرى ما حدث للتمثال يوم سقوط الحجر كنت أرتعد من الخوف على أبو الهول، وحينما نظرت إلى وجه التمثال أحسست أن أبو الهول يئن ويتوجع ويشكو لي همومه، ويحملني مسؤولية ما حدث له! حيث قام الجهلاء بترميم التمثال بطريقة خاطئة وطمسوا جسم أبو الهول بالأحجار الضخمة التي غيرت من طبيعته بالإضافة إلى استخدام الإسمنت الذي خنق التمثال وجعله لا يتنفس.. وقلت لأبو الهول إن ما حدث لا أعلم عنه شيئا فقد سافرت للدراسة لمدة سبع سنوات وعندما عدت وجدت العمال يقومون بالترميم من دون إشراف أثري أو هندسي، فقمت بإيقاف الترميم.. ولكن كان أبو الهول يتوجع من الألم والمرارة لجهل من هم مسؤولون عنه به وبقيمته.

يومها قررت أن نزيل عن أبو الهول كل مشاكله وآلامه وأوجاعه.. ونعالجه بناء على العلم والفهم وليس بالفهلوة والجهل.. ولذلك بدأنا بإزالة كل الأحجار التي أضيفت على جسم التمثال والاستعانة بنحات يعرف النسب التشريحية للتمثال ويستطيع إعادة شبابه وكان هذا النحات هو الفنان آدم حنين ومعه محمود مبروك وأصبحا ضمن فريق العمل المكون من الأثريين والمرممين والمهندسين والجيولوجيين، كلنا نعمل في سبيل إنقاذ التمثال. واستطعنا أن نجمع كل الصور القديمة التي توثق لنا حالة التمثال قبل أعمال الترميم الخاطئ... وعلى مدى عشر سنين كاملة استمر العمل حتى اكتمل الترميم وعاد أبو الهول إلى شبابه وحيويته.. وجاءت اللحظة التي تحدث فيها أبو الهول معي مرة ثانية وكان ذلك عند شروق الشمس على وجهه يوم الاحتفال بترميمه وكان أبو الهول في أبهى مظهره حارسا أمينا على آثار فراعنة مصر القديمة..

نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.