.
.
.
.

هواتفنا الذكية... جعلتنا أغبياء!

بدرية البشر

نشر في: آخر تحديث:

في آخر إحصاء ظهرت السعودية والإمارات أعلى دولتين في حيازة الهواتف الذكية، تلينا سنغافورة ثم النروج ثم السويد ثم بريطانيا وأستراليا. فهل تعني حيازتنا الهواتف الذكية أننا أصبحنا أذكياء، وأننا بعد أعوام قصيرة سنصبح من الشعوب الذكية التي تخترع وتطور وتنتج؟

وفق تجربتي الشخصية فإن حيازتنا الأجهزة الذكية حولتنا إلى أغبياء، وقضمت ذاكرتنا وجعلتنا أسرى وصرعى بل وأحياناً شهداء. فبسببها راح شبان في حوادث طرق مميتة، وبعد أن كان نشيدنا «ارفع رأسك أنت سعودي» اضطرت شركة الاتصالات إلى أن تنبهنا بشعار «ارفع رأسك» حتى لا تضيع منك اللحظات الغالية في الحياة، حين وجدتنا طوال الوقت ندفن رؤوسنا في شاشات أجهزتنا ونحن مع والدينا أو أطفالنا.

لا زلت أتذكر ذلك المشهد في مطعم الفندق بمدينة إنترلاكن السويسرية، حيث دخلت سيدة خليجية بعباءتها السوداء تدفع طفلاً في عامه الأول، كان الطفل يلعب بلعبته المفضلة عبر جهاز «آيباد» ذكي أيضاً، بينما والده نائم في غرفته لم يستيقظ بعد، والمرأة جلست تأكل وحدها والطفل يلعب بالجهاز الذكي، وهي تضع طعامه في فيه، الطفل يفتح فاه ويبلع الطعام وهو شارد الذهن مع لعبته، فسمعت أمه تنبهه وتقول: «لا تنسَ... إذا شعرت بالشبع قل لي»!

كان الطفل يحتاج إلى التذكير كي يشعر بالشبع، كلنا اليوم حال هذا الطفل الذي استولى عليه جهازه الذكي، فهو غارق في متعة اللعب من دون أن يلتزم قواعد اللعب، وفي سنوات حياته الأولى، ووالداه يوفران لديه جهازاً منذ استيقاظه، والجميع يظن بأنه يلعب بينما هو يستغرق في عزلة تجعل عقله يتشكل بطريقة غير طبيعية. اليوم لم يعد غريباً أن ترى أطفالاً دون سن المدرسة لديهم أكثر من جهاز.

الأجهزة التي سميت بالذكية جعلتنا أغبياء، فهي تتحكم بنا منذ صحونا مثل هذا الطفل، تصدر صوتاً يجرك من أذنك منذ أن تخرج من غرفتك، هذا إذا كنت لا تزال تتمتع ببعض العقل وتضعها خارج الغرفة. قرأت مرة أن معظم المراهقين في العالم لا يستطيعون النوم بعيدين من هواتفهم الذكية، يظنون بأن شيئاً مهماً سيحدث لو تركوها، وأنت حين تسمع نغمة رسالة تهرع لقراءتها، ظناً بأنها من مجلس الأمم المتحدة يسألونك لماذا تأخرت عن اجتماع «جنيف-2»، وأن الجميع ينتظرك لتكتشف أنها إما نكتة سمعتها عشرات المرات أو إعلان تجاري. لقد أثبت هذا الجهاز الذكي أنه فعلاً ذكي، لكنه كل يوم يثبت أنك غبي، فهذا الجهاز الذي في حجم كفك حفظ عنك أرقام هواتف عائلتك وأصدقائك ولم تعد ذاكرتك تعرف شيئاً عنها، ويحمل رسائلك في صندوق بريد إلكتروني وتقويم يذكرك حتى بأوقات الصــلاة ومواعيد الطـــبيب، ووفر لك برامج للتواصل الشفاهي والمصور والمكتوب من «سكايب» و«فايبر» و«تانغو»، وغيرها من البرامج المجانية التي تجعل الآخـــرين يدقون عليك كل وقت ولو من باب التجربة، أما الدخلاء عبر «واتـــساب» الذكي فسيجعلونك تشعر وكأنك تسكن في شارع عام وليس في هاتف شخصي، هذا غير أن امتداد شجرة العائلة قد تطور في شكل ذكي، ففيما كانت العائلات ترسم نفسها في شجرة وتعلقها في مجلس أصبح في مقدورها اليوم أن تكتب القائمة نفسها وتعلقها في «قروب واتساب».

أخـــبرني أحدهم أن قبيلته وضعت نفسها في قائمة لا أدري ما هي، «بريدية» أم «واتسابية»، وصار من الصعب الفرار من مناسبة عرس أو دفن جثمان، وأن الجميع مطالب بأن يفزع، والفزعة هنا في عُرف القبيلة تعني العون وليس الهرب.

ما فعله هذا الجهاز الذكي جداً هو أنه سلبك ذكاءك ووقتك وإرادتك، فأنت تمسكه كي تجري اتصالاً مهمًّا، لكنه يجرفك بذكائه فتضيع في قراءة الرسائل والتنبيهات والتلميحات التي وصلت إليك من «واتسات» و«بريد» و«تويتر» أحياناً - إن كنت مصاباً بلوثة «تويتر» - وتمضي نصف ساعة تنسى فيها ماذا كنت تريد أن تفعل، وكيف وصلت إلى هنا، ولماذا حملت الهاتف في يدك! يعني عشت ضياعاً وشروداً مستعصيين، أما أعلى حالات التعلق التي أوقعك فيها هذا الجهاز المفرط الذكاء هي أنك أصبحت تشعر بحال ضياعه أو السهو عنه، أنك مثل من فقد جواز سفر.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.