.
.
.
.

الحفيد .. (القوة العظمى) في الأسرة

زياد الدريس

نشر في: آخر تحديث:

إهداء إلى: صغيرتي لمياء .. في ذكرى يوم (ميلادنا)!

في مثل هذا اليوم (لكن بعد يومين من الآن، في ١ تشرين الثاني/ نوفمبر) تكمل حفيدتي الأولى سنتها الأولى بإذن الله.

لن أقول إنها ستحتفل بذكرى يوم ميلادها الأول، بل سنحتفل، نحن جَدّيها وجدّتيها، بذكرى يوم ميلادنا الثاني!

منذ سنة أصبحت لمياء هي فتاة الغلاف العائلي، تُغلّف حياتنا ببهجة حضورها أو بؤس غيابها، بعذوبة لحنها الحزين عند جوعها أو بطَرَبيّة لحنها الفرائحي بعد شبعها.

مع وجودها تلاشت في بيتنا مشكلة التواكل لفتح الباب، وحلّت مكانها مشكلة التدافع لفتح الباب وحوادث الدهس!

حين يُطرق الباب لا نظن أن أحداً خلف الباب سواها تقول: «أنا لمياء»، رغم أنها لا تجيد الكلام مثلهم، لكنها تجيد النطق أكثر منهم.

أصبح للحياة طعم في وجودها وليس لها هذا الطعم في غيابها، كأنها هي الطَعم والطُعم للسعادة.

ما سرُّ هذه القوة العظمى التي يضعها الله سبحانه في هذا الإنسان الضعيف (الحفيد) عند أجداده، وبأي معادلة يمكن حساب الجاذبية التي يملكها هذا الكائن في وسط فضاءٍ كان يوشك أن يدخل مرحلة انعدام الجاذبية!

كنت لا أستطيع أن أفهم سبب البهجة والمرونة والتحيّز الذي يبديه أبي وأمي يحفظهما الله لأحفادهما؟ والدفاع عن مطالبهما، مشروعة كانت أو شبه مشروعة. وتحقيق رغباتهما، مستحقة كانت أو شبه مستحقة. ودحض مواقفنا ورؤانا التربوية أمامهما، بمنطق أو شبه منطق.

الآن فهمت. لكن حين فهمت وجدت أن والدَيْ حفيدتي (ابنتي وزوجها) سيحتاجان كي يفهما مشاعري ومشاعر زوجتي نفس المدة الزمنية التي احتجتها كي أفهم مشاعر والديّ. فالآباء يستشرفون المستقبل في التعامل مع أبنائهما، والأجداد يسترجعون الماضي في التعامل مع أحفادهما، ويكون الزمن الحاضر هو منصة الصراع بين مستقبل الآباء وماضي الأجداد. لن يعترف الجَدّان بأنهما في الماضي كانا يستخدمان المستقبل في تعاملهما مع أبنائهما، فلا يُتعب الأبناء أنفسهم بمحاولة انتزاع هذا «الاعتراف»!

الحكاية ليست في الفارق المعرفي بين الأجيال، بل هي تكمن في أن الآباء المقبلين على الحياة حديثاً يَبدون مزهوّين بإعلان نضجهم واستخدام عقولهم في مجرياتهم اليومية مع أبنائهم، أما الأجداد الذين لم يصلوا الى هذه المرحلة من العمر إلا بعد أن شبعوا من استخدام عقولهم طوال عقود مضت وآن لهم أن يتركوا لعواطفهم لا إرادياً أن تحكم على ما ينبغي وما لا ينبغي.

سبق أن كتبت أن «مهام الوظيفة والزواج ثم إنجاب الأبناء، نصنّفها كلها بوصفها استكمالاً لدورة الحياة وبرنامج عملها مع البشر. وحده الحفيد الذي تحس بأنه ربح إضافي فائض عن رأس المال (!)».

الأبناء جزء من حياة آبائهم ... أما الأحفاد فهم حياة جديدة لأجدادهم، وهنا يكمن سر التعلّق والحب الجارف، فليس أسعد للإنسان من أن يتم إعلامه في وقت متأخر من حياته بأنه سيُمنح حياة جديدة ... هي الحفيد.

ولأجل هذا أقول لحفيدتي الصغيرة، في هذه المناسبة:

كل عام ونحن، معكِ، بخير.

نقلاً عن صحيفة "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.