.
.
.
.

كيف بدأ #على_خطى_العرب من كاميرا الـ"آيفون"؟

نشر في: آخر تحديث:

جال "على خطى العرب"، البرنامج الوثائقي التي يعرض على شاشة "العربية" في صحراء وجبال ووهاد المملكة العربية السعودية في رحلة طويلة وقف فيها على الأماكن التي ألقى فيها شعراء المعلقات قصائدهم، وشهدوا فيها أهم أحداث حياتهم.

رحلة استمرت طويلاً وغطت 24 ألف كيلومتر، قام فيها معد ومقدم البرنامج الدكتور عيد اليحيى، عبر إلقاء القصص والقصائد وحتى التمثيل، بإعادة إحياء أحداث شهيرة وقعت قبل مئات السنوات. ولكن كيف بدأ برنامج "على خطى العرب"؟ وكيف تفاعل الناس معه؟ كل هذه الأسئلة وغيرها طرحناها على الدكتور اليحيى في جلسة حوارية سريعة.

سبع سنوات بدون رد

سبع سنوات أمضاها الدكتور عيد اليحيى مقدم "على خطى العرب" وهو يطرق أبواب الوزارات والمؤسسات الثقافية والبنوك في الخليج، محاولاً إقناع المسؤولين بفكرة البرنامج وأهميته في غرس الهوية الوطنية، إلا أن محاولاته انتهت إلى فشل ذريع. فريق قال له بصراحة إنه لم يفهم الفكرة، وفريق آخر طلب أرقامه للتواصل، لكن اتصالاتهم لم تصل أبداً لهاتفه المحمول. يستذكر اليحيى هذه الردود الرافضة صراحة أو ضمناً في حديث ويضيف: "لم يفهموا أبداً ما كنت أسعى لتوصيله. طرقت أبوابا كثيرة، لكن دون جدوى".

كاميرا الـ"آيفون"

وجد اليحيى المحبط الحل أخيراً في كاميرا الـ"آيفون". نصحه أحد أصدقائه أن يذهب إلى الأماكن التاريخية التي يعرفها جيداً ويصور حلقات خاصة عنها مستخدماً كاميرا الهاتف الذكي، ومن ثم يحملها على موقع "يوتيوب". استمع اليحيى إلى نصيحة صديقه وذهب إلى جبل التوباد في مدينة الأفلاج، الواقعة جنوب غرب العاصمة السعودية، حيث وقعت أحداث قصة الحب الشهيرة بين قيس وليلى.

وقام بتصوير دقائق قليلة، ومن ثم انطلق إلى منطقة القصيم وسط السعودية، وسجل حلقة ثانية بالقرب من جبل خزاز، المكان الذي شهد الواقعة التاريخية التي هزمت فيه القبائل العربية بقيادة وائل كليب ملك اليمن. ويصف اليحيى هذه التجربة البدائية: "لا مونتاج، لا محسن صوت، ولا إضاءة. فقط أفتح كاميرا الهاتف وأتركها تسجل".

وظهرت تسجيلات اليحيى على يوتيوب، وبدا أداؤه فيها تلقائياً ومختلفاً وهو يمسك الناقة ويردد القصائد الفصيحة وسط صحراء نجد.

لم يمض وقت طويل حتى زاد عدد المشاهدات حتى وصلت إلى الآلاف خلال فترة وجيزة. وفي يوم ما تلقى اليحيى اتصالاً من عبدالرحمن الراشد، المدير السابق لـ"العربية"، طالباً مقابلته والحديث عن إمكانية تحويل فكرته على الشاشة.

وهذا ما حدث بالضبط، حيث انطلق اليحيى مع فريق "العربية" في رحلة استمرت لمدة 45 يوماً، جال فيها على عدد كبير من الأماكن التي قال فيها شعراء المعلقات قصائدهم. ولفت البرنامج اهتمام المشاهدين سريعاً، ولم يمر وقت طويل حتى أصبح "على خطى العرب" ظاهرة ثقافية واجتماعية، وتحول اليحيى إلى نجم تلفزيوني أثار اهتمام الناس بما يقول، ولكن بما يلبس. يرسم العيد ابتسامة عريضة وهو يتذكر موقفا حصل له قبل أيام: "كنت أمشي في أحد شوارع دبي وهتف أحدهم حينما رآني قائلاً: كلهم رحلوا وبقي حومل".

السعادة الوطنية

يبدو هدف اليحيى من "على خطى العرب" أعمق مما يظن الكثير من متابعيه. ورغم أهمية النجاح الإعلامي والجماهيري، إلا أنه مهتم بما يسميه بتحقيق "السعادة الوطنية" التي على حد تعبيره، "لا يمكن أن تحدث بدون أن يشعر الشخص بحب للمكان الذي يعيش فيه، ولا يمكن أن يحب المكان الذي يعيش فيه إذا لم يعرفه. هل يمكن أن تحب شيئا لا تعرفه؟ لهذا تجد من يرمي الزبالة في الشارع، ويخرب الممتلكات، لأنه يفتقد لمعرفة المكان الذي هو الطريق الوحيد لمحبته والانتماء إليه، وبالتالي الشعور بالسعادة الوطنية".

تنقل اليحيى للأماكن التاريخية في الجزيرة العربية، وربطها بالقصص الملحمية، والقصائد التي ألقاها كبار الشعراء، محاولة لغرس حب المكان في أفئدة المشاهدين. ويقول "لا أهدف فقط إلى ترديد شعر المعلقات كما يظن البعض. ما أسعى إليه هو محاولة لربط الناس بالأرض التي يمشون فوقها. لن يحدث ذلك إلا حين يعرف الفرد بجيولوجية وأنثروبولجية وأركولوجية وطنه. هذا ما يجب أن تقوم به المؤسسات الثقافية لإعادة التنشئة. الوطن ليس ماكينة صراف".

الأزياء الملونة

لتحقيق هذا الغرض استخدم اليحيى كل عناصر الجذب لضمان متابعة المشاهد لبرنامجه، بما في ذلك الأزياء الملونة التي يرتديها. وفي هذا السياق يقول: "هذا ليس غريباً على عرب الجزيرة العربية الذين عرف عنهم محبتهم لارتداء الأزياء الجميلة الملونة والمتنوعة ولم يلبسوا زياً واحداً كما نفعل الآن". أما عن العصا الشهيرة التي يستخدمها فيقول: "تعلمت خلال دراستي الماجستير في الدبلوماسية السياسية أن أستخدم اليد للإشارة، لكنها قد تفهم من بعض الناس على أنها إشارات مهينة، لذا اخترت عصاً مطعّمة بالأحجار الكريمة احتراماً لهم. واستخدمت الحجر الفيروزي لقدرته على جذب العين".

شخصية اليحيى

جزء من نجاح "على خطى العرب" يعود إلى شخصية اليحيى نفسه الكاريزمية التي يقبل منها المشاهد أي شيء. البرنامج مرتبط بشخصيته، ومن الصعب تخيله بمقدم آخر. لو قام به أي شخص آخر فسيبدو كمحاضر يلقي درسه الثقيل على مسامع طلابه المتململين.

استخدم اليحيى خليطاً بين اللغة الفصحى واللهجة الشعبية في البرنامج، الأمر الذي قرب المشاهد الذي يعيش في القرن الـ21 إلى أحداث وقعت قبل ألفي عام، وكما يبتعد عن الأسلوب المتقعر لكي يكون قريباً من المشاهدين.

لم يكتف اليحيى بإلقاء القصائد أو سرد القصص، بل جرب التمثيل الذي قام به بدون تحضير كما فعل في أدائه لمشهد الشاعر مالك بن الريب وهو يرثي نفسه. السر في هذا النجاح يشرحه اليحيى بقوله: إنه لا يتكلف، وتخرج المشاعر منه بشكل طبيعي بسبب معرفته ومحبته الكبيرة للأماكن التي يزورها والقصص التي يرويها، لذا تصل إلى المشاهدين بسهولة.

واختتم حديثه قائلاً: "معرفتي ومحبتي للشجر والتراب والجبال وكل شيء في وطني تجعلني أتصرف بطبيعية. كل هذا أشعل بي جذوة الإيجابية جعل الأشياء تخرج مني بطبيعية وتلقائية".