.
.
.
.

ثري يوناني منح قيصر روسيا نفوذاً عجزت عنه الحرب

كسب ثقة القيصر فعيّنه قنصلاً وزاره "غوغول" وذهل لشهرته

نشر في: آخر تحديث:

عُرف المستشرق الروسي والدبلوماسي القيصري والمؤرخ والرحالة، قسطنطين بازيلي 1809-1884، بأنه أول دبلوماسي روسي رسمي يعيّن في صفته، في "بلاد الشام"، وتسلّم أول منصب قنصلي في عام 1839 في لبنان، وهو تاريخ افتتاح القنصلية الروسية هناك، والتي كان بازيلي أول قناصلتها، حيث توالى بعده ثمانية قناصل حتى العام 1944 فافتتحت رسميا، السفارة الروسية، في شارع مار إلياس في بيروت.

علماً أن مقر السفارة الروسية الحالي، في بيروت، كان مركزاً للمدرسة الروسية الأرثوذكسية من أيام حكم القياصرة. حيت كانت تتابع شؤون المسيحيين الأرثوذوكس، في أي منطقة من الشرق ومن أي بقعة يمكن أن يكون لها أي تأثير فيها.

الإقطاعي والمثقف الذي أقنع أعتى العقول

بازيلي، في الأصل، ولد لأسرة إقطاعية يونانية الأصل، وساعدت المتمردين الألبان في صراعهم مع العثمانيين. إلا أنه بقي ميسور الحال، ويتصرف كثري من الطبقة الرفيعة، فتلقى تعليماً عاليا وأتقن مناهج الكتابة واللغات القديمة والتأريخ وعلم الأديان. وكان لديه هوى جارف بالشرق، فزار فلسطين ولبنان وسوريا حتى أنه أصبح القنصل العام لروسيا القيصرية، لدى هذه البلدان، معاً.

وكان بازيلي، بسبب ثقافته الأرستقراطية الرفيعة، يجذب كثيرا من المثقفين الكبار في روسيا، فزاره الروائي العملاق "غوغول" في بيروت، وذهبا معاً إلى فلسطين لزيارة "المخلّص" كما قال الروائي في إحدى رسائله، والذي فاجأه حجم النفوذ الذي يتمتع به بازيلي، حيث كان الأخير يكتفي بأن يعرف الناس من هو كي يتم تأمين الحماية، ولم يكن "غوغول" مقتنعا بهذه الحماية "الواثقة المغترة بنفسها" حتى شاهد الأمر بنفسه وذهل لهول المفاجأة، حيث بقيا محميين طيلة مدة الزيارة، بسبب قوة نفوذ بازيلي وشهرته بين أهل المنطقة.

وإلى كنيسة القيامة في بيت لحم، كانت وجهة الزيارة التي كان مؤلف رواية "المعطف" يحلم بها كما ردد كثيرا.

تعرّف إلى كل الأقليات وكتب عنها

كانت حصيلة تردد بازيلي على مسيحيي الشرق، في سوريا ولبنان وفلسطين، كتاباً ألّفه بعنوان "سوريا وفلسطين تحت الاحتلال العثماني". إلا أنه لم يقتصر في زيارته على أماكن توزع المسيحيين هناك، بل تعرف إلى مناطق جبل الدروز في سوريا، وأجرى نقاشات حول علويي الجبال في المنطقة الساحلية، إلا أنه أظهر اهتماما أكثر بالدروز، ونقل أخبارا عنهم تتعلق بحروبهم مع العثمانيين، وقتذاك.

عُرف عن بازيلي أنه تخوّف من زيارة جبال العلويين، فمنطقتهم كانت في ذلك الوقت، وخصوصا منها الشمالية، والشمالية الشرقية، أرضاً لكثير من أعمال قطع الطرقات في الليل والنهار، وهو الأمر الذي ذكره أيضا المستشرق اليهودي الفرنسي ليون كاهون في كتابه "رحلة إلى جبال العلويين عام 1887"، حيث قال في هذا الكتاب المرجعي النادر، إن كثيرا من أهل لبنان نصحوه بألا يذهب إلى جبال العلويين.

تصرّف بازيلي كإقطاعي واسع الثقافة وبنفوذ واضح، وكان يستطيع منح وعود وتطمينات مختلفة لأي أقلية دينية تعامل معها. وبسبب تبحره بتاريخ الأديان، لم يكن صعبا عليه أن يدخل في أي تفصيل في مناقشاته التي أجراها مع الكثير من رموز الأقليات الدينية.

وكسب بازيلي ثقة كل من تعرف إليه، فهو من الطبقة الأرستقراطية الراقية التي تلقت تعليما عاليا، ويمتلك حساً طبقياً بالتأنّق السلوكي وملاطفة من حوله، فأحبه الجميع وأعطوه كل ما عندهم.

وكان الأرستقراطيون الروس، في الأصل، هم "أبطال" الترحّل إلى المشرق، لأن السفر من بلادهم إلى القدس أو بيروت أو دمشق، يتطلب مشقة كبيرة وتكاليف باهظة لتأمين وصول الرحّالة أو "الحجيج المسيحيين الروس" سالمين غانمين. ولهذا كانت الأرستقراطية الروسية هي المموّل الفعلي لرحلة الحجيج، فليس بالمصادفة أن بازيلي الثري، جاء إلى المشرق، فلن يأتي أصلا لو لم يكن من الطبقة الثرية.

إلا أن الهدف الرسمي من زيارته، كان بدون أدنى شك، هو التعرف إلى أقليات المشرق الدينية، والتقرب إليها. وبسبب شدة النجاح الذي أحرزه، تم تعيينه قنصلا لروسيا القيصرية في لبنان، بسبب ما قدّمه للقيصر من معلومات فاجأته، خصوصا منها المتعلق برغبة مسيحيي المشرق من روسيا أن "تخلصهم" من "المحتل التركي".

أقنع القيصر بأن أحداث اليونان تضعف مسيحيي الشرق

في الواقع، بالغ بازيلي كثيرا، في كتابه المشار إليه سابقا. كما أنه بالغ في وصف الأمر للقيصر الروسي، ربما ليكسب ثقته، أو ربما ليحقق الهدف من تعيينه الرسمي. إلا أن أصوله اليونانية وما اشتملت عليه من ذاكرة صراع بين الأتراك وأهلِ جلدته، جعلته يقيم نوعاً من الربط ما بين أحداث اليونان، وقتذاك، وأوضاع الأقليات الدينية في المشرق، وكذلك وضع المسلمين في الشام.

إذ يقول: "حينما وصل إلى دمشق نبأ انتفاضة اليونان، كان الغوغاء مستعدّين للهجوم على مسيحيّي دمشق. واقترح القاضي والمفتي وأعضاء المجلس شنق البطريرك وأخذ غرامة من المسيحيّين. فرفض الباشا هذا الاقتراح وصدّ الغوغاء".

وأيضا، وفي مكان آخر في كتابه، قام بإحداث رابط بين وطنه الأم، اليونان، ووضع مسيحيي الشرق، ربما ليؤجج مشاعر القيصر لإحداث مزيد من الدعم لقضية بلده الأصلي في صراعه مع الأتراك، فيقول إن مسيحيي الشام، من القدس إلى حلب، قد تعرضوا "لاضطهاد وإساءة" بسبب "الحرب اليونانية".

ثم يكرر الأمر في مكان آخر فيؤكد أن "الحرب اليونانية" قد أسهمت بزيادة "التعصب والحقد" ضد المسيحيين.

إلا أن هذا التحيّز لبلده الأصلي اليونان، لا يقلل من شأن كتابه "سوريا ولبنان تحت الحكم العثماني"، بل اعتبر هذا الكتاب "ثروة" تاريخية غطت حقبة غامضة من تاريخ علاقة روسيا القيصرية بالمشرق. وكشفت الانتقال، في تلك العلاقة، من كونها رحلات حجيج روس عادية، أو رحلات ذات طبيعة إيمانية صرفة قام بها أدباء وشعراء روس، الى علاقة منظّمة وقانونية، خصوصا بعد الاتفاق المبرم في عام 1774 م بين روسيا القيصرية والعثمانيين، والمتضمنة بنودا تتعلق بحماية الحجيج الروس الى فلسطين.

لقد نجح الإقطاعي اليوناني، والمتعلّم تعليماً رفيعاً، في ما فشلت فيه كل حروب روسيا القيصرية، ونال ثقة القيصر، بعد عملية الربط ما بين أحداث اليونان، ومسيحيي المشرق، ودور ونفوذ روسيا الذي سبق وتحدث عنه علناً أكثر من مرة. فتولى القنصلية الروسية، ليبدأ التوقيت الرسمي للحضور الروسي القيصري في المنطقة، إنما على وقع حرب اليونان ما بين المسيحيين والأتراك، وقتذاك، بما يشبه، بالضبط، توقيت التدخل الروسي في سوريا الآن: على وقع حرب أيضاً، إنما ضد "الإرهاب وداعش".