.
.
.
.

هل تستخدم طاقة البرق كمصدر إنارة المنازل؟

نشر في: آخر تحديث:

عبر أغلب التاريخ الإنساني، كان البرق مصدراً للرعب بين البشر. وتدرج الإنسان في وصفه تلك الصواعق المروعة القادمة من السماء خلال مراحل عدة بالظاهرة المخيفة، مروراً بمرحلة الخرافات والأساطير، حتى بلغت مرحلة المادة الخصبة للخيال الإنساني والإبداع الأدبي في مجال الخيال العلمي.

ففي بعض أفلام هوليوود، على سبيل المثال، يتم اعتبار البرق ذا قوة كافية لانطلاق السيارات، المصممة بأشكال عجيبة منذ الثمانينيات، إلى الفضاء الخارجي. كما ذهبت كتابات عالم الكوميديا إلى أن البرق يجلب قدرات خارقة، ثم بلغ الخيال العنان عندما تطرقت بعض هذه الكتابات إلى تخيل أن البرق يعيد الأموات للحياة.

وقد يخطر على البال تساؤل حول مدى الطاقة الموجودة في صاعقة برق. ويبدو أنه قد تمت بالتحديد الإجابة على هذا السؤال في السابق، إلا أن المفاجأة هي أنه لا يمكن تحديد الإجابة كمياً.

ويقول أستاذ مشارك في العلوم الجيولوجية بجامعة ساوث فلوريدا، البروفيسير ماثيو باسيك، في مقاله المنشور بموقع "ميل أون لاين" نقلاً عن دورية "ذا كونفارسيشن"، إنه يتناول هذا الموضوع من زاوية جديدة، وهي استنتاج مدى ضخامة صاعقة البرق على أساس حجم الصخور التي تتشكل من جرائها.

ويتابع باسيك قائلاً إنه يكفي المرء أن يلقي نظرة على شجرة مشطورة إلى نصفين لكي يعلم كيف أن البرق قوي بوضوح، فصاعقة البرق تولد درجات حرارة أشد من سطح الشمس بما يصل إلى 20 ألف درجة، وهي درجات حرارة بالطبع لم يسبق أن اختبرها الإنسان على مدار حياة البشرية.

وكما أن قياس درجات الحرارة يعتبر أحد الطرق التي تستخدم في تقدير طاقة البرق، حيث إنها تأخذ قدراً معيناً من الطاقة لتسخين الهواء إلى درجات حرارة أعلى، فهناك طريقة بديلة أيضاً للوصول إلى قياس طاقة البرق عبر حساب فولت الصاعقة، وفق باسيك.

ويضيف: "حيث إنه لا يمكن حساب طول صاعقة بشكل صحيح أو يمكن يحدث خطأ في احتساب كمية الغازات التي تم تسخينها مقارنة بالطول أو يمكن أن يكون هناك عدم دقة في قياس درجة الحرارة أو الجهد، أو عدد الإلكترونات – وبالتالي فهذه الطرق قد تؤدي إلى الوصول لنتائج مضللة للغاية بسبب احتمال الخطأ في أي منها".

وهنا يطرح باسيك تساؤلاً عما إذا كان هناك طريقة أخرى لحساب طاقة البرق، تضمن خفض نسبة احتمالات الخطأ في الحسابات. ويستطرد موضحاً أن الإجابة توجد إلى حد كبير في ولاية فلوريدا التي تستحوذ على اهتمام خاص لعلماء الجيولوجيا، نظراً لأنها تتمتع بطبيعة فريدة من نوعها، بالإضافة إلى كونها الولاية الأكثر تعرضاً لصواعق برق بين كل الولايات الأميركية، وأيضاً لأنه تنتشر في صحاريها رمال وحجر جيري، يعود تراكم بعضها إلى قبل 15 مليون سنة، والبعض الآخر تراكم منذ 5 ملايين سنة.

ويشير إلى أن صواعق البرق التي تضرب الرمال في فلوريدا بكثافة أسفرت عن تكوين نوع جديد من الصخور تسمى صخور البرق أو "فولغرايت" - وهي عبارة عن أنبوب مجوف، بامتداد مسار صاعقة البرق عبر الرمل- نتيجة لحدوث تبخير للرمال ثم ذوبان للحواف الخارجية لها. وعندما تبرد الرمال أسفل الصخور المتكونة حديثاً تتجمد الأنبوب المجوف الصخري وبداخله يتكون زجاج.

كذلك يلفت إلى أنه بتحليل ودراسة صخور "الفولغرايت" والرمال تبين أن درجة سخونة الرمال بلغت حوالي 1700 درجة مئوية، كي تتحول إلى درجة حرارة الحمم المنصهرة. وعند هذه الدرجة، يذوب الرمل. ثم تنصهر الرمال وتبدأ في التبخر فقط اعتباراً من 3000 درجة مئوية. وأدت تلك الملاحظات إلى استنتاج أن هذه التحولات تستدعي تعرض نحو كيلوغرام واحد من الرمال إلى حوالي 15 ميغاجولز من الطاقة للتسخين والانصهار ثم التبخر، وهو ما يعادل كمية الطاقة التي تستهلكها أسرة متوسطة بالولايات المتحدة في 6 ساعات.

بالطبع إن الدراسة ألمحت إلى أن حساب الطاقة الناجمة عن صاعقة برق يمكن أن تكفي لتزويد نحو مليار منزل بالإنارة لبضعة ملايين من الثواني. هذا وإن كان من الصعب الاستفادة من الطاقة المتولدة من صاعقة البرق في الوقت الحالي، وأيضاً في المستقبل القريب على أقل تقدير، نظراً لطبيعة صواعق البرق وعدم القدرة على التنبؤ بأوقات حدوثها، فإن الدراسة، بحسب باسيك، أثبتت أن شبكات الكهرباء قد لا تستفيد من طاقة صواعق البرق إلا أن الفائدة الأكثر أهمية التي تم التوصل إليها على ضوء قياسات الدراسة وتحليلاتها التي كشفت عن ضرورة تطوير سبل الحماية من صواعق البرق وأهمية إعداد سيناريوهات أفضل لمجابهة الظروف الأسوأ.