رحلة لأرض الخوف والجمال في جزر شرق آسيا 3
قصة طريفة لحرب ضروس لم تسل فيها الدماء.. وحكاية غريبة لتماثيل رجال قصيري القامة
من مجمع المعابد "لينجسار" في جزيرة لومبوك الإندونيسية، توجهنا إلى أحد الأسواق الشعبية بالجزيرة، ويسمى "سوق ساسيلا" التقليدي، وهو سوق متوسط الحجم مربع الشكل، على جنباته محلات صغيرة متخصصة في بضاعتها من النسيج أو التماثيل أو الحلي.
وما يلفت الأنظار عند مدخل السوق، هذه المبارزة الراقصة البديعة، بين متحاربين اثنين أنصاف عراة، وهي مبارزة لم تسل فيها دماء... أدواتها عصاتان، ودرعان مجدولان من البوص والسعف وما شدني هو الحَكَم الذي يفصل بينهما، والذي يعطي إشارة البدء وهو يرقص، ويهدئ بينهما وهو يرقص ويبتسم وفي فمه صفارة الانطلاق أو التوقف... وفي النهاية لا تستطيع أن تحدد من المنتصر ومن المغلوب، وكانت الضحية الوحيدة للمعركة هي "السلطانية" التي يجمعون فيها النقود والتي طارت من موضعها من فرط الحماس!.
وفي ساحة السوق، يجلس بعض الحرفيين والحرفيات، يصنعون منتوجاتهم من الخوص والفخار والنسيج الملون، ومن تزيين الأثاث الخشبي بالأصداف وقشورها، وعلى الرغم من أن الأسعار في هذا السوق رخيصة بالنسبة للسياح، إلا أن لديك مجالا للمساومة للحصول على أسعار أرخص.
بعد سوق ساسيلا، ذهبنا إلى قصر الماء، والمسمى "ماجورا: Mahira Water Palace"، والذي كان مقرا للمحكمة الملكية في العهود القديمة: "Balinese Kingdom’s Royal Palace"، وهو يعتبر رمزاً لعمارة الخيمة العائمة، وعلى رأس الجسر بوابة شاهقة، يقف على جانبيها تمثالان غريبا الشكل، يرتديان إزارين منقوشين، وقد ظننتهما حاجبي المحكمة!!
وما لفتني في هذا القصر المائي والخيمة المعمارية البديعة هو تناثر التماثيل المنحوتة في الحديقة المحيطة به لرجال يعتمرون لفائف على رؤوسهم، كأنها عمائم ذلك الزمان البعيد وبأشكال مختلفة، ونلمح في وجوههم مهابة وكبرياء، حتى لتظنهم قضاة هذا الزمان القديم.
ومن شدة إعجابي بهذه التماثيل الجميلة لرجال قصيري القامة، ولكن بهم وقار وصرامة، قررت أن أطور نفسي في فن التصوير الذاتي والمسمى "السيلفي"، وأشرف بالتقاط بعض الـ"سلفيات معهم"..!
عدنا أدراجنا إلى ميناء ليمبار الصغير جنوب جزيرة لومبوك الإندونيسية، لنستقل القارب الصغير الذي سيأخذنا إلى العمارة العظيمة الرابضة في مضيق لومبوك، حيث ستبحر بنا لثلاثة أيام متواصلة في عرض المحيط وجزره ومضائقه، متجهة إلى شواطئ ماليزيا وتايلاند.
عبرنا ليلة ميلاد العام الجديد 2017 في مضيق جاوة، لنقطع مسافة 1404 ميل بحري، أو 2600 كيلومتر، من لومبوك الإندونيسية، إلى بينانغ الماليزية، ومررنا كذلك ببحر الصين، ثم "أنجزنا" عبور خط الاستواء للمرة الثانية، -ولكننا لم نحصل على شهادة العبور هذه المرة!!- لنعود إلى مضيق سنغافورة، وصولا إلى مضيق مالاغا مرة ثانية، لنمر بسواحل ماليزيا.
وخلال هذه الأيام الثلاثة أمضينا وقتا ممتعا على ظهر السفينة، منها ليلة رأس السنة الجديدة.
وعند شروق شمس الأربعاء، الرابع من يناير من العام الجديد 2017، رست السفينة في ميناء سويتنهام Swettenham بجزيرة بينانغ (لاحظت أن اسم الميناء لا يزال إنجليزيا، لم يتغير منذ العهد الاستعماري)، وهذه الجزيرة تقع شمال غرب شبه الجزيرة الماليزية على مضيق مالاغا Malacca Strait. اكتشفها البرتغاليون، وكالعادة، أتى الإنجليز ليخلفوهم.
سار بنا الباص في شوارع جورج تاون العتيقة، والتي يعود تاريخها إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية، التي بدأت في هذه الجزيرة منذ العام 1786على يدي التاجر والكابتن الإنجليزي السير فرانسيس لايت، ممثلا لشركة الهند الشرقية، وظلت نقطة هامة في طريق التجارة لأوروبا والشرق الأوسط من الهند والصين، إلى أن نالت استقلالها ضمن باقي الأراضي الماليزية في العام 1956.
الطابع الكولونيالي أو الاستعماري طاغ على بنيان جزيرة بينانغ، الذي يعود الكثير منه إلى القرن الثامن عشر، فيما يبلغ عدد سكانها قرابة المليوني نسمة، 60% منهم من الصينيين، و27% من المالاويين، والبقية من الهنود.
في جزيرة بينانغ، زرنا ثلاثة معابد بوذية، لكل واحد منها طابع خاص، وطفنا بمتحف ضخم للفراشات والزواحف النادرة التي تعيش في تلك المناطق، كما ولجنا مصانع صباغة النسيج التقليدية التي تميز الجزيرة وماليزيا عموما، قبل أن ندخل أحد بيوت العصر الاستعماري، لنشاهد مجريات الحياة في ذلك الزمان... وكل واحدة من هذه المحطات تحمل الكثير من الصور والروايات.
-
رحلة لأرض الخوف والجمال في جزر شرق آسيا 1
فوق سفينة العجائب التي تمنح ركابها شهادات معتمدة.. شاهد سنغافورة كما لم تعرفها من ...
الأخيرة -
رحلة لأرض الخوف والجمال في جزر شرق آسيا 2
في جزر بالي ولومبوك وضفاف نهر أيونغ بإندونيسيا.. للفقر والفقراء طعم خاص
الأخيرة -
رحلة الأحلام من أميركا لأوروبا بـ 70 دولاراً فقط!
إنه زمن "حرب" أسعار شرسة بامتياز، كيف لا وقد بات اليوم بالإمكان السفر ...
سياحة وسفر