هل هذا الشخص في التاريخ هو علي بابا الحقيقي؟

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

كثير منّا قرأ قصة "علي بابا والأربعين حرامي" التي تعتبر من قصص التراث العربي، الواردة في كتاب "ألف ليلة وليلة"، وإن كان ثمة شك في أنها كانت فيه من الأساس، بل تمت إضافتها لاحقاً على يد المستشرق الفرنسي أنتوني جالاند (1646 – 1715م)، حيث وجدت الحكاية في نسخته التي ترجمها للفرنسية في القرن الثامن عشر الميلادي.

غير أن المستشرق ريتشارد الإنجليزي فرانسيس برتون (1821 – 1890م) يرى أن هذه الحكاية من صميم كتاب ألف ليلة وليلة، وقد اشتهر برتون بترجمته لكتاب ألف ليلة وليلة إلى اللغة الإنجليزية.

وكان برتون يرى أن حكاية علي بابا جزءٌ من نسخة نادرة من كتاب ألف ليلة وليلة، هذا الأثر التاريخي الخالد، الذي يكاد له تأثيره في مجمل الأدب العالمي، كما يعترف بذلك الأرجنتيني بورخيس والكولمبي ماركيز.

رمزية الحكاية

ألهمت قصة علي بابا المبدعين في جميع العالم، وأصبحت من التراث الإنساني، ووصلت إلى الصين، حيث إن هناك شركة تجارية كبيرة اليوم تحمل الاسم. كما تم تصويرها في السينما العربية والهندية والعالمية.

كما يمكن الإشارة إلى الفنان ماكسفيلد باريش وهو رسام أميركي عرف بأعماله الخيالية (1870 – 1966م) وقد رسم علي بابا في لوحة مشهورة سنة 1909م.
وتدور الحكاية حول قصة ذلك الرجل الذي استطاع أن يحصل أو يسمع عن طريق الصدفة على كلمة السر التي فتحت له مغارة الكنوز التي يخبئها اللصوص، وبفصل هذه الكلمة "افتح يا سمسم" التي صارت مضربًا للمثل، استطاع أن يحصل على كنوز المغارة.

ورغم أنه تعرض لمكيدة أخيه واللصوص إلا أنه نجا في نهاية الأمر وظفر بالفوز، بفضل إحدى الجواري التي قام بالزواج بها.

وقد يكون مغزى ذلك أن الوصول إلى الثراء وربما النجاحات العظيمة في الحياة، قد تأتي من مجرد فرصة بسيطة وعابرة، لكن على الإنسان أن يجيد فن الاقتناص وأن ينفذ ولا يركن أو يخاف.

وفي المستوى الثاني فالقصة تشير إلى هلاك مال العصابة، التي مهما ادخرت من أموال مسروقة فمصيرها إلى الزوال، حيث سوف يأخذها في النهاية شخص آخر.

كما تشير القصة أيضا إلى خيانة أقرب الناس إلى الإنسان، فأخوك قد يكون سببًا في ضررك، وأن هناك دائماً من يقف بجوارك ويساعدك، لأن شقيق علي بابا واسمه قاسم يتآمر عليه.

وتنفتح معاني النص بحسب ما يمكن أن يقرأه الشخص المعين أو يكيّفه من معانٍ للقصة، حيث إن النصوص الأدبية دائمًا تظل مطلقة الرسائل.

علي بابا البجاوي

من أين جاءت شخصية علي بابا، فقد اختلف الباحثون حول ذلك، حيث يتراوح أصل الحكاية شرقًا إلى #الهند والصين إلى بلاد العرب والشرق الإفريقي، كما أن هناك من يرى أنها وردت في البرديات المصرية القديمة.

وقصص ألف ليلة وليلة في عمومها تتحرك ما بين منطقة من غرب ووسط وجنوب آسيا وشمال إفريقيا، ما بين التراث القديم والإضافات التي تمت في عصور الخلفاء العباسيين.

لكن ثمة رواية في هذا الباب تشير إلى أن الشخص المقصود الذي استوحيت منه قصة "علي بابا" كان شخصية حقيقية، من قبيلة البجة التي استوطنت شرق #السودان منذ القدم، وكانت ذات صلات مع منطقة الجزيرة العربية عن طريق البحر الأحمر، وعلاقات تجارية.

ويشار هنا إلى أن علي بابا الذي كان أحد ملوك بلاد البجة، كانت له معاهدة مع العرب وقد نقضها وأغار على #مصر فنهب وسلب، فأرسل له الخليفة العباسي المتوكل جيشًا، وقد هزم الملك علي بابا، رغم أنه جهز جيش كبيرًا.

ومن ثم اقتيد علي بابا إلى سامراء أسيرًا، وهناك قرر المتوكل العفو عنه، وأعيد ملكًا على قومه.

وقد أورد المؤرخ الطبري المتوفى سنة 310 هجرية، هذه القصة التاريخية، مشيرًا في كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، إلى الوقائع التي جرت بحدود عام 241 هجرية، وأن الحرب ضد البجة تمت فيها خدعة أدت للهزيمة، ويرد اسم الملك باسم "علي بابا" وفي رواية ثانية "علي أولْباب" – بالبجاوية -.

علي بابا في بلاط الخليفة

يروى أن منظر علي بابا وأعوانه ساعة دخولهم على الخليفة وفي رأسهم الحراب، أوحى لمؤلف ألف ليلة وليلة – المجهول – بهذه الحكاية الخالدة، وفق ما أورد الدكتور د. إدريس إبراهيم جميل في كتابه "الحباب ملوك البحر وأهل السادة".

ويشير الطبري إلى أن علي بابا عاد إلى دياره وهو لا يزال وثنيًا لم يسلم، بعد المصالحة وتربعه مجددًا على عرش ملكه.

ويورد المسعودى أيضا ذكر حرب البجة، في كتابه "صورة الأرض"، وأن ملكهم علي بابا أعد جيشًا لحرب المسلمين قدر بمائتي ألف على الأقل.

وقد تكون نسبة علي بابا الوارد في ألف ليلة وليلة، نسبة لتشابه الاسم وربما لا يحمل دليلًا كبيراً على أن الحكاية مصدرها هذا الرجل، أو استوحيت منه.

غير أن تقاطعها مع العصر العباسي ووصول علي بابا بزيه العجيب إلى بلاد الرافدين، قد يشير إلى أنه ربما استلهمت منه القصة.

فالحكاؤون في بلاط الخلفاء كانوا قد لعبوا دورًا ملموسًا في تطوير الحكايات والقصص التي وردت في تراث ألف ليلة وليلة.

لكن تبقى هذه واحدة من الروايات، في ظل أن قصص التراث غالبًا ما تتداخل فيها النظريات والمقولات، وحيث تتكاثر في المخيال الشعبي إلى أن يتم تدوينها على أيد مجهولة في الغالب، أو معلومة كما في الرواية التي أشير لها بأن علي بابا اخترع لاحقًا في القرن الثامن عشر الميلادي.

فيلم علي بابا

هو فيلم مصري أنتج عام 1942، تدور أحداثه حول حكاية علي بابا الذي كان يعاني من الفقر والعوز في نفس الوقت الذي يعيش فيه شقيقه (قاسم) في رغد وهناء.

وذات يوم عندما يتوجه علي بابا في تجارة، يكتشف أمر مغارة سرية تفتح بالكلمة السرية "افتح يا سمسم" وتحوي كنوزًا لا تعد ولا تحصي.

يحاول أن يحل أزمته المالية بما تحتويه المغارة، لكن مع دخول قاسم في الصورة، تنقلب الأمور بشكل غير محمود.

والفيلم من إنتاج شركة الأفلام المصرية، وإخراج توجو مزراحي وهو مصري من أصل إيطالي، وشارك في البطولة كل من علي الكسار ومحمد عبدالمطلب وليلى فوزي وإسماعيل ياسين وآخرين.

الأسطورة الباقية

لا يزال هناك من يصدق قصة علي بابا، على أنها واقعية ويعتقد بأن هذا الكنز موجود في مكان ما، مثله مثل كنوز الملك سليمان.

وإلى وقت قريب نقرأ في الأخبار قصصًا عن اكتشاف مكان مغارة علي بابا أو كنوزه، ففي عام 2009 عثر على كنز بقرية تركية، تناقلت وسائل إعلام أنه قد يرجع إلى قصة علي بابا والأربعين حرامي.

وهذا يعني أن الحكاية تغلغلت في المخيال الجمعي، بحيث إن الكثيرين يصدقها، وبدلًا من أن يأخذوا المغزى المترتب عنها يذهبون إلى البعد الآخر الذي يجعلهم ينتظرون الكنز، في حين أن الكنوز لا يمكن تأتي بسهولة، فالحصول على "كلمة السر" في الحياة يتطلب الكثير من الاجتهاد.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة