.
.
.
.

هكذا صعدت قوة الاتحاد السوفيتي.. إعدامات ومجاعات

نشر في: آخر تحديث:

مع بداية عام 1928، آمن الدكتاتور السوفيتي جوزيف ستالين (joseph stalin) بضرورة ضم الاتحاد السوفيتي إلى قائمة الدول الكبرى وبالتالي الالتحاق بنادي القوى العظمى إلى جانب كل من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا.

ومن أجل بلوغ هذه الغاية، لم يكن أمام ستالين سوى خيار واحد ألا وهو تحويل الاتحاد السوفيتي إلى قوة صناعية عظمى.

وخلال السنوات الماضية، رفض القائد السوفيتي مرات عديدة أفكار رفاقه في الحزب الشيوعي ،من أمثال غريغوري زينوفييف (gregory zinoviev) وليف كامينيف (lev kamenev),التي طالبت بضرورة تشجيع الصناعة وزيادة إنتاج الطاقة بالاتحاد السوفيتي، بل أعلن مرارا عن رغبته في مواصلة سياسة لينين، مؤكدا أن تحفيز الصناعة سيسبب قطيعة وصداما بين العمّال والفلاحين.

لكن مع قبوله بسياسة الزراعة الجماعية والمشتركة، أيقن ستالين ضرورة الصناعة لدفع عجلة الاقتصاد ففي حدود عام 1927 أكد الخبراء الاقتصاديون السوفيت حاجة البلاد لأكثر من 100 ألف جرار، وفي الأثناء لم يكن لدى الاتحاد السوفيتي سوى 7 آلاف جرار فقط.

أواخر سنة 1927، وضع المسؤولون السوفيت بقيادة جوزيف ستالين برنامجا يتضمن تشجيع الزراعة الجماعية وتحويل الاتحاد السوفيتي إلى قوة صناعية خلال فترة زمنية لا تتجاوز الخمس سنوات لتبدأ على إثر ذلك صفحة جديدة من تاريخ البلاد.

خلال الفترة ما بين عامي 1928 و1932، شهد الاتحاد السوفيتي ظهور العديد من المصانع العملاقة ولعل أبرزها مصنع الجرارات بمدينة ستالينغراد (Stalingrad) حيث تحولت هذه المنطقة المنعزلة خلال فترة وجيزة إلى قطب صناعي هام وبالتزامن مع ذلك عرفت مدينة مغنيتاغورسك (Magnitogorsk) قفزة مذهلة، حيث تحولت إلى أهم منتج للحديد على الأراضي السوفيتية لتقارع بذلك كبرى المدن الصناعية الأميركية.

صورة للدكتاتور السوفيتي جوزيف ستالين

خلال برنامج الخمس سنوات الذي وضعه ستالين ، شهد الاتحاد السوفيتي ظهور الصناعات الثقيلة كما تزايدت نسبة إنتاج الطاقة واستخراج الموارد المنجمية بشكل مذهل لتبلغ أرقاما قياسية من أجل تلبية الحاجيات المتزايدة للمصانع.

ما بين عامي 1928 و1932 ، تضاعف عدد العمّال بالمصانع فبعد أن قدّر بنحو 3,1 مليون عامل سنة 1928 ارتفع العدد ليبلغ نحو 6 ملايين عامل سنة 1932 وبالتزامن مع ذلك سجّل عدد الفلاحين تراجعا مذهلا حيث انتقل العديد منهم للعمل بالمصانع متخلين بذلك عن الفلاحة.

خلال السنة الأولى من برنامج الخمس سنوات ، لم يحقق الاتحاد السوفيتي النتائج المرجوة حيث ارتفعت نسبة إنتاج الحديد بشكل طفيف سنة 1929 لتبلغ 800 ألف طن مقارنة بالسنة التي سبقتها فضلاً عن ذلك لم يتمكن السوفيت من إنتاج سوى 3300 جرار فقط وهو رقم بعيد عن الأرقام الخيالية التي اقترحها ستالين في وقت سابق.

أرقام خيالية جديدة

وأمام هذا الوضع لم يتردد الدكتاتور السوفيتي في تحديد أرقام خيالية جديدة خلال شهر يونيو/حزيران سنة 1930 مطالبا بأن يبلغ إنتاج الحديد السوفيتي خلال الأشهر المتبقية من برنامج الخمس سنوات 17 مليون طن.

وفي الأثناء حقق برنامج الخمس سنوات نجاحا مذهلا حيث عرف الاتحاد السوفيتي ظهور الصناعات الثقيلة والتي كانت شبه غائبة في وقت سابق وبالتزامن مع حلول عام 1933 أطلق جوزيف ستالين برنامجا صناعيا جديدا سعى من خلاله لزيادة نسبة الإنتاج حيث منح برنامج الخمس سنوات الثاني والذي امتد إلى حدود سنة 1937 الأولوية للصناعة على حساب بقية القطاعات.

إحدى صور البروباغندا السوفيتية والتي تؤكد على قضاء برنامج الخمس سنوات على الرأسمالية والبورجوازية

"خنق الأديان واعتقال رجال الدين "

كما حاول ستالين خلال نفس تلك الفترة القضاء على جميع الأديان بالاتحاد السوفيتي حيث تحولت دور العبادة كالكنائس والمساجد إلى مخازن للقمح.

واعتقلت الشرطة السرية السوفيتية رجال الدين قبل أن ترسلهم نحو مراكز العمل القسري والتي عرفت بالغولاغ (gulag).

ما بين عامي 1928 و1937 حقق الاتحاد السوفيتي قفزة اقتصادية مذهلة وغير مسبوقة حيث ارتفع إنتاج الفحم من 36 مليون طن سنة 1928 ليبلغ 130 مليون طن سنة 1937 وتضاعف إنتاج الحديد 5 مرات خلال نفس الفترة ليبلغ 15 مليون طن سنة 1937 مقارنة بنحو 3 ملايين طن فقط عام 1928.

إلى ذلك، تزايد الإنتاج السوفيتي من النفط من مليوني طن عام 1928 ليبلغ 29 مليون طن سنة 1937 كما حقق إنتاج الطاقة الكهربائية قفزة مذهلة ليبلغ 36 مليون كيلووات خلال نفس السنة مقارنة بأقل من 5 ملايين كيلووات سنة 1928 ويعزى هذا الارتفاع في إنتاج الكهرباء أساسا إلى ظهور محطات توليد الطاقة الكهرومائية.

وبالتزامن شهدت بعض المجالات الأخرى تطورا حيث انتشرت خطوط السكك الحديدية والمواصلات كما عرف قطاعا الصحة والتعليم تحسنا داخل المدن.

صورة لعدد من العاملين بمراكز العمل القسري السوفيتية

"إعدام العمال المضربين"

خلال فترة تطبيق هذين البرنامجين الاقتصاديين، اعتمد ستالين سياسة قاسية حيث لم تتردد الشرطة السرية في إعدام العمال المضربين.

كما اتهم كل من يتقاعس في عمله بالخيانة والإضرار بالاقتصاد القومي ليصدر في حقه لاحقا إما حكم بالإعدام أو بالترحيل نحو أحد معسكرات العمل القسري بالمناطق النائية.

إحدى صور البروباغندا السوفيتية الداعية لتطوير خطوط السكك الحديدية بالبلاد


مجاعات ووفاة الملايين

بالتزامن، اتجه ستالين نحو تطبيق سياسة المزارع المشتركة والاستيلاء على المحاصيل من أجل توفير أكبر قدر ممكن من الغذاء لعمال المصانع وبسبب ذلك شهدت مناطق سوفيتية عديدة، مثل أوكرانيا وكازاخستان، مجاعات أودت بحياة ما لا يقل عن 10 ملايين شخص، كما تسببت ظروف العمل القاسية بمراكز العمل القسري (الغولاغ) في وفاة الملايين حيث فارق جلّهم الحياة أثناء العمل على المشاريع الخيالية لستالين بكل من سيبيريا وشرق الاتحاد السوفيتي.

فضلا عن ذلك، شهدت العديد من القطاعات الصناعية الأخرى كصناعة القماش والثياب تراجعا كبيرا مقارنة بالمستويات التي كانت عليها خلال سنة 1927.

في حدود سنة 1938، وضع الاتحاد السوفيتي برنامجا اقتصاديا آخر موجها بالأساس للتصنيع العسكري بعد تزايد احتمالية اندلاع الحرب وفي الأثناء تعطّل هذا البرنامج بعد 3 سنوات فقط بسبب الغزو الألماني للأراضي السوفيتية.

ولم يتردد ستالين عقب نهاية الحرب العالمية الثانية في وضع برنامج اقتصادي آخر وعد من خلاله بجعل الاتحاد أكبر قوة مصنّعة في العالم وهو الأمر الذي لم يتحقق أبدا.