هل كان هذا الوزير وراء اندلاع الثورة الفرنسية سنة 1789؟

نشر في: آخر تحديث:

مطلع عام 1788، عاشت فرنسا على وقع وضع اقتصادي كارثي أوحى بقرب حدوث تغييرات جذرية بالبلاد. فخلال ذلك العام، بلغ الدين العام رقما قياسيا ليستقر في حدود أربعة مليارات جنيه. وتزامنا مع كل هذا، قدرت العائدات السنوية للدولة بنحو خمس مئة مليون جنيه بينما تخطت نفقاتها حاجز الست مئة مليون جنيه.

وفي الأثناء، عانت فرنسا من حجم نفقاتها المتزايد. فإضافة إلى مشاركتها في حرب الاستقلال الأميركية والتي كلفتها نحو مليار جنيه، لعبت نفقات المجلس الملكي وإهدار الملكة الفرنسية ذات الأصول النمساوية ماري أنطوانيت (Marie Antoinette) للمال العام دورا حاسما في تزايد حجم الدين العام.

وأمام هذا الوضع السيئ استنجد الملك الفرنسي سنة 1788 بالمختص في مجال الاقتصاد والوزير السابق ذو الأصول السويسرية جاك نيكر (Jacques Necker) الذي كسب خلال السنوات الفارطة شهرة بالأوساط الأوروبية بفضل كتابه حول المالية والذي نشره في حدود عام 1784.

في غضون ذلك، شغل نيكر عددا من المناصب بفرنسا سابقا، كان أبرزها منصب المسؤول عن الخزينة الملكية والذي استقال منه يوم السادس عشر من شهر أيار/مايو عام 1781 عقب معارضة الملك لويس السادس عشر (Louis XVI) لعدد من مقترحاته. وعقب فشل سياسة الوزير شارل ألكسندر دي كالون (Charles Alexandre de Calonne) في إنقاذ البلاد من الكارثة الاقتصادية، أقدم الملك الفرنسي على استدعاء شارل نيكر مجددا ليمنحه منصب مراقب عام للمالية ورتبة وزير. ومن خلال قرار مماثل، توقع الجميع أن ينجح نيكر بفضل شعبيته داخل وخارج فرنسا في إيجاد حل للأزمة والحصول على المزيد من القروض.

واستلم نيكر منصبه يوم الخامس والعشرين من شهر آب/أغسطس سنة 1788، ليبدأ مباشرة في اتخاذ جملة من الإجراءات، كان أبرزها تقديم موعد اجتماع مجلس الطبقات والذي تضمن ممثلي طبقتي النبلاء ورجال الدين، إضافة إلى الطبقة الثالثة. ومن خلال هذا الاجتماع، سعى الوزير نيكر إلى إقرار مجموعة من التغييرات الاقتصادية، إضافة لقانون مالية وجباية جديد بهدف إنقاذ البلاد والتي كانت على حافة الإفلاس.

تزامناً مع ذلك، كسب نيكر خلال فترة وجيزة تعاطف العديد من الفرنسيين بسبب قراره بزيادة عدد ممثلي الطبقة الثالثة بمجلس الطبقات حيث عبّر ممثلو الطبقة الثالثة عن تطلعات المواطن الفرنسي العادي والذي أثقلت الضرائب كاهله وعقب قرار مماثل لقّب الوزير نيكر بالوطني من قبل عامة الفرنسيين وكسب في مقابل ذلك عداء الملكيين الذين اتهموه بالإضرار بمصالحهم.

خلال شتاء 1788 – 1789عاشت فرنسا على وقع طقس بارد، حيث نزلت درجات الحرارة إلى ما دون الصفر بكامل أرجاء البلاد. فضلا عن ذلك غطت الثلوج مناطق عديدة وبسبب كل هذه العوامل شهدت فرنسا موسما زراعيا كارثيا أدى لتفشي المجاعة خاصة مع تراجع كميات القمح الموجودة بمخازن الدولة. وأمام هذه الكارثة اتخذ الوزير نيكر جملة من الإجراءات لتخفيف حدة المجاعة، كان أبرزها منع تصدير القمح الفرنسي ومراقبة عمليات بيعه داخل الأسواق لتجنب الاحتكار كما عمدت فرنسا في نفس الفترة إلى استيراد كميات من المواد الغذائية المختلفة.

خلال اجتماع مجلس الطبقات يوم الخامس من شهر أيار/مايو سنة 1789، ألقى الوزير نيكر خطابا مطولا امتد لأربع ساعات فسّر خلاله الوضع الاقصادي الدقيق الذي تمر به بالبلاد. وعلى الرغم من مطالبته بعدد من الإصلاحات الاقتصادية، أثار الوزير ذو الأصول السويسرية غضب ممثلي الطبقة الثالثة بسبب مشكلة التصويت والتي سعى من خلالها لتمرير قراراته.

يوم الثالث والعشرين من شهر يونيو/حزيران سنة 1789، رفض الوزير نيكر حضور اجتماع مجلس الطبقات بسبب إقدام الملك الفرنسي لويس السادس عشر على تحديد نسبة التنازلات المقدمة لممثلي الطبقة الثالثة والذين أقدموا بشكل منفرد خلال الأيام السابقة على تشكيل مجلس وطني. وبسبب هذه الأحداث، شهدت العلاقة بين الملك الفرنسي ووزيره نيكر تدهورا غير مسبوق، خاصة مع معارضة الأخير لتواجد الفيالق الفرنسية الأجنبية المتكونة من جنود سويسريين وألمان بالعاصمة باريس.

يوم الحادي عشر من شهر يوليو/تموز سنة 1789، اتجه الملك الفرنسي لويس السادس عشر لإقالة وزيره نيكر بعد اتهامه بتقديم تنازلات كبيرة لمجلس الطبقات. وعلى إثر هذه الحادثة حزم شارل نيكر أمتعته ليغادر الأراضي الفرنسية ويتوجه نحو بروكسل ومنها إلى مدينة بازل السويسرية.

في أثناء ذلك أثار قرار إقالة الوزير نيكر حالة من الغضب اجتاحت العاصمة الفرنسية باريس، وسرعان ما تحولت إلى تحرك مسلح. فبعد مضي ثلاثة أيام فقط عن واقعة عزل نيكر من منصبه، هاجم أهالي باريس مجمّع ليزانفاليد (Les Invalides) أين حصلوا على البنادق قبل أن يتجهوا نحو سجن الباستيل (the Bastille) للحصول على البارود ليشهد بناء على ذلك يوم الرابع عشر من شهر يوليو/تموز سنة 1789 واقعة سقوط الباستيل في قبضة سكان باريس وهو الحدث الذي اعتبر شرارة اندلاع الثورة الفرنسية.

وبعد يومين عن حادثة سقوط سجن الباستيل، عمد الملك الفرنسي يوم السادس عشر من شهر يوليو/تموز سنة 1789 إلى الحوار مع أهالي العاصمة ليستدعي بناء على ذلك مرة ثانية وزيره السابق نيكر ويعيده إلى منصبه.