.
.
.
.

"بغدادي" أوروبا.. دجّال دمر التراث العالمي

نشر في: آخر تحديث:

يرتبط ذكر عصر النهضة الأوروبية ارتباطاً وثيقاً بمدينة فلورنسا (Florence) الإيطالية. فخلال الفترة الممتدة بين النصف الثاني من القرن الخامس عشر وأواخر القرن السادس عشر، عجّت هذه المدينة بعدد هام من كبار الرسامين والنحاتين والمثقفين الذين عرفهم التاريخ، حيث كان من العادي أن تلتقي أثناء تجولك بين أزقتها بكل من ليوناردو دافينشي وميكيلانجلو وساندرو بوتيتشيلي ونيكولو ماكيافيلي وأندريا ديل فيكيو والعديد من الأسماء اللامعة الأخرى.

وعلى الرغم من ازدهارها وتأثيرها على التاريخ الإنساني بفضل هذه الشخصيات البارزة وأعمالهم، عرفت فلورنسا العديد من النكسات ولعل أبرزها نكسة الراهب سافونارولا الذي كاد أن ينهي عظمتها.

لعب لورينزو الرائع (Lorenzo the Magnificent)، المنتمي لعائلة ميديتشي المهيمنة اقتصاديا وسياسيا على فلورنسا، دورا بارزا في ازدهار المدينة حيث موّل الأخير رفقة أفراد عائلته العديد من المشاريع المعمارية الضخمة وساند العديد من النحاتين والرسامين والمعماريين وأحاط نفسه بكبار المثقفين والسياسيين.

خلال الليلة الفاصلة بين يوم 8 و9 نيسان/أبريل 1492، أحس لورينزو الرائع بسكرات الموت فاستدعى ابنه بييرو الثاني لفراشه ليقدم إليه عددا من النصائح حول كيفية إدارة شؤون فلورنسا. وعلى إثر ذلك، طلب لورينزو الرائع بأن يحضر بين يديه راهب مشهور بفلورنسا عرف بجيرولامو سافونارولا (Girolamo Savonarola) ليعترف أمامه بعدد من أخطائه ويطلب منه الرحمة والشفاعة والراحة الأبدية.

وبدل مساعدة رجل فلورنسا القوي وهو على فراش الموت، فضّل سافونارولا استغلال الموقف لصالحه لوضع يده على المدينة فطالب لورينزو الرائع بإنهاء هيمنة عائلة ميديتشي على فلورنسا لإرضاء الله. في غضون ذلك، كان لورينزو الرائع منتبها للنهاية لحيل هذا الراهب فما كان منه إلا أن التفت نحو الحائط مفضلا الموت والتخلي عن الراحة المزعومة مقابل أن يتواصل نفوذ عائلته على فلورنسا.

ومع وفاة لورينزو الرائع، آلت مهمة قيادة عائلة ميديتشي لابنه ضعيف الشخصية والخامل بييرو الثاني ذي العشرين عاما والذي لم يكن قادرا على الحفاظ على مكانة عائلته.

واستغل سافونارولا المنتمي للرهبنة الدومينيكانية الوضع ليبدأ حملة شرسة ضد عائلة ميديتشي وأهالي فلورنسا، حيث اعتلى الأخير ساحات وكنائس المدينة ليقدم خطابات شديدة اللهجة وصف من خلالها سكان فلورنسا بأعداء الله وأصدقاء الشيطان، مشبها مدينتهم بمدينة سدوم، مؤكدا على انتشار الزنا والعلاقات الجنسية المحرمة ونعت نحاتي ورسامي فلورنسا بالشواذ جنسيا وقد تزامنت هذه الحملة مع نبوءة غريبة قدّمها الراهب سافونارولا توعّد من خلالها أهالي فلورنسا بعقاب إلاهي وشيك.

ويوم 17 تشرين الثاني/نوفمبر 1494، دخلت القوات الفرنسية مدينة فرنسا أثناء عبورها لغزو مملكة نابولي وقد استقبل أهالي فلورنسا الفرنسيين استقبال الأبطال عقب هروب عائلة ميديتشي حيث عمد سكان المدينة لطرد بييرو الثاني وأفراد عائلته عقب اتفاقية مذلة أبرمها الأخير مع ملك فرنسا شارل الثامن خلال وقت سابق من نفس السنة. في الأثناء، كان سافونارولا ضمن الجماهير التي استقبلت الفرنسيين حيث اعتبر الأخير الهجوم الفرنسي فرصة لإثبات صحة نبوءته بزوال حكم عائلة ميديتشي والعذاب الأليم.

لاحقا، استغل سافونارولا الفراغ الذي أحدثه رحيل عائلة ميديتشي ليعلن للجميع عن تحقق نبوءته ويحوّل فلورنسا من مدينة ثقافية ألهمت أوروبا بأكملها إلى مدينة دينية متشددة. فيوميا، تواجد الأخير بكاتدرائية سانتا ماريا ديل فيوري (Santa Maria del Fiore) حيث تجمهر وتدافع حوله الآلاف لسماع خطبه التي حذّرت من العذاب الأليم.

كما كوّن سافونارولا ميليشيا من الأطفال المتعصبين ارتدوا الثياب البيضاء وجابوا شوارع فلورنسا لبث الرعب بها عن طريق مراقبة تصرفات الأهالي وتحطيم المنحوتات وتهشيم المرايا ومصادرة أوراق اللعب وإجبار الأثرياء على دفع مبالغ مالية باهظة على شكل ضرائب وبسبب ذلك كانت شوارع المدينة خالية من الناس ليلا حيث تخوّف الجميع حينها من ملاقاة أفراد هذه الميليشيا في ظلمة الليل.

ويوم 7 شباط/فبراير 1497، أصدر سافونارولا قرارا تعيسا دمّر جزءا هاما من التراث الإنساني، حيث أمر الأخير أتباعه بحمل الصليب الأحمر وجمع أعداد كبيرة من اللوحات الفنية والمراجع العلمية وإحراقها بتعلة أنها كتبت بيد الشيطان. وأثناء هذه المحرقة، أقدم الرسام الإيطالي بوتيتشيلي على حرق عدد هام من لوحاته بسبب تأثره الشديد بخطابات سافونارولا.

ومع تعاظم نفوذه بفلورنسا، هاجم سافونارولا البابا ألكسندر السادس واصفا إياه بالعار على المسيحية ولهذا السبب أمرت الكنيسة البابوية بعزل هذا الراهب واعتقاله وعاقبته بالحرمان الكنسي. وفي المقابل، واصل سافونارولا خطاباته وحدّث الجميع عن قيامه بمعجزات عجز بدوره عن إثباتها حيث طالبه البعض ذات مرة بالسير على الجمر لإثبات صحة أقواله.

وخلال شهر نيسان/أبريل 1498، اعتقلت سلطات فلورنسا الراهب سافونارولا وأجبرته على الاعتراف بجميع التهم الموجهة ضدّه تحت وطأة التعذيب قبل أن تتكفل بإعدامه شنقا وحرق جثته ونثر رمادها بنهر أرنو خلال شهر أيار/مايو من نفس السنة.