.
.
.
.

عاملة نظافة تسببت بأسوأ فضيحة في تاريخ فرنسا

نشر في: آخر تحديث:

ما بين عامي 1894 و1906 عاشت فرنسا على وقع واحدة من أسوأ الفضائح التاريخية. فضمن ما عرف بقضية دريفوس، واجه أحد كبار القادة بالجيش الفرنسي تهماً خطيرة بالخيانة عن طريق نقل أسرار دولة للإمبراطورية الألمانية الملقبة بالعدو اللدود لفرنسا عقب الحرب البروسية الفرنسية سنة 1870 والتي انتهت بهزيمة فرنسا وهيمنة الألمان على مناطق الألزاس لورين. وقد جاءت هذه القضية والتي اندلعت بفضل جهود عاملة نظافة لتهز الرأي العام الفرنسي على مدار 12 سنة وتنتهي في الأخير بإعلان براءة الكابتن ألفرد دريفوس (Alfred Dreyfus).

منذ إعلان الوحدة الألمانية بقصر فرساي يوم 18 يناير 1871 وهزيمة فرنسا وإذلالها وفقدانها للألزاس لورين، عرفت العلاقات الفرنسية الألمانية انهياراً خطيراً وغير مسبوق حيث تزايدت الكراهية بين هذين الشعبين لتعيش المنطقة على صفيح ساخن طيلة العقود التالية. وبداية من العام 1888، تزايدت حدة التوتر بين الدولتين عقب اعتلاء فيلهلم الثاني لعرش ألمانيا حيث أقدم الأخير على إقالة المستشار أوتو فون بسمارك ليقطع نهائياً مع السياسة الواقعية التي اعتمدتها بلاده منذ عقود ويباشر بسياسة جديدة أكثر عدائية سعى من خلالها أساسا لتقوية الجيش وتكوين إمبراطورية استعمارية مترامية الأطراف.

وانطلاقاً من ذلك، اتجهت كل من ألمانيا وفرنسا لمراقبة تحركات الأخرى عن كثب اعتماداً على عدد من الجواسيس المجندين لصالحهما.

وقد عمدت فرنسا خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر للتجسس على السفارة الألمانية بباريس والتي امتلكت بدورها شبكة تجسس تغلغلت في أعماق الدولة الفرنسية.

وللحصول على المعلومات الكافية حول تحركات الألمان وكشف شبكة جواسيسهم بفرنسا، جنّد مسؤولو جهاز الجوسسة المضادة الفرنسية امرأة عرفت بالسيد باستيون (Madame Bastian) شغلت وظيفة عاملة نظافة بالسفارة الألمانية بباريس. وأسبوعياً، عمدت هذه المرأة، مستغلة وظيفتها، لجمع بقايا الوثائق الموجودة بسلة قمامة السفارة لتسلمها في النهاية للمسؤولين الفرنسيين الذين تفاءلوا بسرية عملها وقدرتها على تزويدهم بمعلومات دقيقة.

وأواخر كل أسبوع، تتردد السيدة باستيون على كنيسة سانت كلوتيلد على مقربة من شارع سانت جرمان الذي يعجّ بمقرات السفارات والوزارات لتلتقي بشكل سري بالكولونيل هوبيرت هنري (Hubert Henry) وتقدم له حزمة من الوثائق التي جمعتها من قمامة السفارة الألمانية.

خلال شهر سبتمبر 1894، زودت السيدة باستيون الفرنسيين بوثيقة غاية في الأهمية تمثلت في رسالة ممزقة لستة أجزاء موجهة للملحق العسكري الألماني بالسفارة الجنرال ماكسيمليان فون شوارتزكوبن (Maximilian von Schwartzkoppen) ومن خلالها قدّم المرسل مجهول الهوية معلومات هامة حول المدفع الفرنسي عيار 120 ملم عالي الدقة وتكوين فرق المدفعية واستعدادات الجيش الفرنسي إضافة لمعلومات أخرى حول مدغشقر.

وقد جاءت هذه الرسالة التي كشفتها عاملة النظافة لتؤكد مخاوف فرنسا بوجود خائن يزود الألمان بمعلومات حساسة. فضلاً عن ذلك، ارتبك الفرنسيون وتخوفوا من إمكانية حصول الإيطاليين على مثل هذه المعلومات. فطيلة الفترة الماضية، راقب عملاء المخابرات الفرنسية تحركات الملحق العسكري الألماني فون شوارتزكوبن واكتشفوا علاقته الجنسية بالملحق العسكري الإيطالي بسفارة إيطاليا بباريس حينها أليساندرو بانيزاردي (Alessandro Panizzardi) وبسبب ذلك تخوّف الفرنسيون من إمكانية قيام الملحق العسكري الألماني بتزويد نظيره الإيطالي بمعلومات حساسة حول الجيش الفرنسي وتجهيزاته.

ومع بداية انتشار خبر هذه القضية، اتجه العديد من المسؤولين الفرنسيين وعلى رأسهم وزير الدفاع أوغيست مرسييه (Auguste Mercier) للبحث عن مشتبه به فوجدوا ضالتهم في رجل يهودي عمل لصالح الجيش الفرنسي وعرف بالكابتن ألفرد دريفوس حيث اتهم الأخير بالخيانة بسبب مشاعر معاداة السامية المنتشرة بفرنسا حينها لتبدأ على إثر ذلك قضية دريفوس والتي حوكم خلالها الأخير ظلما ونال عقوبة قاسية قبل أن تظهر براءته بعد نحو 12 سنة.