.
.
.
.

لهذا قطع الفرنسيون رأس أب الكيمياء خلال "عهد الرعب"

نشر في: آخر تحديث:

في خضم عهد الثورة التي اندلعت عام 1789، عاشت فرنسا ما بين 5 أيلول/سبتمبر 1793 و28 تموز/يوليو 1794، تاريخ سقوط وإعدام روبسبيار، على وقع أهوال عهد الرعب والذي مثّل واحدة من أكثر الفترات دموية بتاريخ البلاد.

فبناءً على رغبة لجنة السلامة العامة وقرارات المحكمة الثورية، أرسلت فرنسا العشرات يومياً نحو المقصلة لتقطع رؤوسهم بعد أن وُجهت إليهم في الغالب تهم ملفقة بالتعاون مع أطراف خارجية والتخابر ضد الجمهورية والتآمر لإعادة الملكية.

ولم تقتصر عمليات الإعدام العلنية بساحة الثورة، ساحة الكونكورد حالياً، على السياسيين فقط. فعلى الرغم من التهامها للعديد من أبناء الثورة كجورج دانتون وكامي ديمولان وجاك رينيه إيبير، اتجهت شفرة المقصلة لتقطع رؤوس العديد من كبار علماء تلك الفترة ولعل أبرزهم أنطوان لافوازييه، الملقب بأب الكيمياء المعاصرة، والمصنف حينها كواحد من أهم علماء عصره بفضل إنجازاته الخالدة.

وعقب تفوقه في دراسته وتقديمه لبحوث رائعة، انتخب لافوازييه عام 1768 وهو في الخامسة والعشرين من عمره عضواً بأكاديمية العلوم الملكية. وبفضل أموال والده وما جناه خلال مشاركته بأحد البرامج الملكية لجمع الضرائب وعمله كمراقب عام بإحدى إدارات البلاد، حقق لافوازييه ثروة طائلة مكنته من امتلاك مخبر كبير احتوى على كامل المعدات. ووفق العديد من المصادر في تلك الفترة، قضى لافوازييه فترات يومية طويلة في إجراء الأبحاث فلجأ نحو مخبره كل صباح ما بين الساعتين السادسة والثامنة قبل أن يتوجه لأداء مهامه الرسمية ويعود مجدداً مع حلول المساء نحو مركز أبحاثه ويستقر به لثلاث ساعات ما بين السابعة والعاشرة.

وبفضل أبحاثه العلمية، تمكن من معالجة أزمة الإنارة الليلية بباريس وأجرى دراسات على الأوكسجين وساهم في تسميته بهذا الاسم واكتشف دوره الأساسي في عملية الاحتراق وعارض نظرية الفلوجيستون (phlogiston theory) السائدة منذ قرون كما وضع خلال عام 1783 اسم العنصر الكيميائي الهيدروجين. وساهم لافوازييه أيضاً في وضع العديد من أسس التحليل الكمي وقدم واحدة من أولى القوائم التي جمعت العناصر الكيميائية، مؤكداً أن الكبريت عنصر كيميائي ودحض النظرية السائدة التي اعتبرته مركباً كيميائياً.

كذلك صُنف لافوازييه كشرارة اندلاع الثورة الكيميائية، والتي أعادت صياغة العديد من النظريات، ليلقب بذلك هذا العالم الفرنسي بأب الكيمياء الحديثة. وإضافة لهذا السجل العلمي الحافل، واجه عدداً من المشاكل كانت أهمها قضية ترطيب التبغ أثناء عمله لصالح لجنة المعايير المترية وقد لاحقته هذه القضية خلال فترة الثورة الفرنسية.

وبسبب عمله في مجال تحصيل الضرائب وجمعه لثروة طائلة سابقاً وتمتعه بامتيازات خلال العهد الملكي، لاحقت السلطات الفرنسية خلال عهد الرعب لافوازييه وزجت به خلف القضبان في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 1793، متجاهلة كل الخدمات التي قدمها للبلاد طيلة حياته ومؤلفاته القيمة في مجالات الكيمياء والجيولوجيا والاقتصاد.

ولاحقاً، قضت المحكمة بإعدام لافوازييه بالمقصلة. ومع صدور الحكم، طالب العالم بتأجيل تنفيذ قرار الإعدام لمدة 15 يوماً لإتمام عمله على إحدى التجارب الكيميائية الهامة. وقد جاء رد أحد المسؤولين بقاعة المحكمة ليدخل التاريخ ويظل وصمة عار على الثورة الفرنسية، حيث أجابه، "لا حاجة للجمهورية لا بعلماء ولا بكيميائيين، قرار المحكمة لا يمكن أن يؤجل".

وفي 8 أيار/مايو 1794، هوت شفرة المقصلة لتقطع رأس أب الكيمياء الحديثة الذي أعيد له الاعتبار بعد أشهر عقب سقوط روبسبيار ونهاية عهد الرعب.