.
.
.
.

هكذا أسرت فرنسا الإسبان.. وأول عملية للقصف الجوي

نشر في: آخر تحديث:

ما بين صيف 1936 وربيع 1939، تابع العالم أهوال الحرب الأهلية الإسبانية التي أسفرت عن سقوط مئات آلاف القتلى وخلّفت دمارا هائلا لحق بالعديد من كبرى المدن وانتهت بانتصار الدكتاتور فرانسيسكو فرانكو الذي حكم إسبانيا بقبضة من حديد على مدار الخمسة وثلاثين سنة التالية.

في الأثناء، عرفت الحرب الأهلية الإسبانية أولى عمليات القصف الجوي المكثف على المدن، حيث ساند النازيون الألمان القوميين الإسبان بقيادة فرانكو، فشنّت طائرات اللوفتفافه (سلاح الجو الألماني) غارات مكثفة على مدن إسبانية، كمدريد وبرشلونة وبلنسية، تحصّن بها الجمهوريون ليشاهد العالم على إثر ذلك صورا لحجم الدمار الذي خلّفه استهداف المدن جوا.

صورة لنازحين إسبان أثناء فرارهم من ويلات القصف

وأمام شدّة القصف وانتهاكات أتباع فرانكو في حقّهم، فضّلت العديد من العائلات الإسبانية في خضم فترة الحرب عبور الحدود نحو فرنسا للنجاة بأنفسها وبحثا عن حياة أفضل. وإلى حدود أواخر العام 1938، قدّر عدد الذين غادروا الأراضي الإسبانية نحو فرنسا بحوالي 150 ألف نسمة كان جلّهم من النساء والأطفال. وقد أثارت صور الدمار والقصف عطف الفرنسيين الذين تضامنوا لمساعدة اللاجئين الإسبان.

وعلى الرغم من اتخاذها لموقف الحياد ورفضها القاطع التدخل في النزاع بإسبانيا، فتحت فرنسا أبواب المخيمات الصيفية للأطفال الإسبان وآوتهم بها، ووفرت لهم مدرّسين لمواصلة تعليمهم واتجهت لإرسال عدد من اليتامى نحو عائلات فرنسية لتبنيهم وتوفير مأوى ملائم لهم.

صورة للاجئين إسبان اثناء مغادرتهم لوطنهم

ومع سقوط مقاطعة كاتالونيا وعاصمتها برشلونة في قبضة قوات الدكتاتور فرانكو أواخر شهر يناير/كانون الثاني 1939، شهدت إسبانيا موجة نزوح جديدة حيث أقبل مئات الآلاف خلال بضعة أسابيع نحو الحدود مع فرنسا أملا في اجتيازها للنجاة من أهوال القوميين.

في الأثناء، اصطدمت آمال نحو 500 ألف نازح إسباني بتغيرات سياسية عرفتها فرنسا حيث اتخذت حكومة رئيس الوزراء الجديد إدوارد دلادييه (Édouard Daladier) منذ أواخر العام 1938 إجراءات للحد من تدفق النازحين الإسبان الذين صنّفوا ضمن قائمة غير المرغوب فيهم بفرنسا. فضلا عن ذلك، تخوّف العديد من الفرنسيين من حلول نسبة كبيرة من مقاتلي الجبهة الشعبية الإسبانية ذات الميول الشيوعية بالحدود حيث أرّقت فكرة دخول الشيوعيين الإسبان السلطات الفرنسية التي أبدت قلقها من إمكانية انتشار العنف الأيديولوجي على أراضيها وانتقال المعارك لفرنسا.

صورة لطائرة ألمانية أثناء قصفها لإحدى المدن الإسبانية

هربا من أتباع فرانكو، عبر مئات آلاف الإسبان الجبال مشيا على الأقدام وتحمّلوا برودة الشتاء ليجدوا أنفسهم عالقين على الحدود حسب رغبة وزير الداخلية ألبرت سارولت (Albert Sarrault) الذي وافق مبدئيا على استقبال الأطفال وعلاج المصابين وطرد البقية.

لكن مع تزايد الضغوط الدولية، وافقت فرنسا على فتح حدودها ليتزاحم بذلك خلال فترة وجيزة قدّرت ببضعة أسابيع نحو 500 ألف إسباني على بوابات العبور الضيّقة.

صورة لأحد الإنفجارات التي سببها القصف بمدريد في خضم الحرب الأهلية الإسبانية

على حسب الشروط التي وضعتها فرنسا حينها، نقل الأطفال والنساء بعد أيام من الانتظار نحو مناطق بعيدة موجودة بالبيرينيه، بينما أرسل كل رجل يقل عمره عن 50 سنة نحو نوع من مراكز الاعتقال الجماعي المبنية على عجل والمسيّجة بالأسلاك الشائكة عند شواطئ روسيون (Roussillon) ليمكثوا بها تحت حراسة مشددة.

قدّر عدد الإسبان الذين تواجدوا بمراكز الاعتقال الفرنسية خلال شهر شباط/فبراير 1939 بنحو 250 ألفا، حيث وزّع هؤلاء على مناطق عديدة كسانت سبريان وبرام وبركراس، كما أرسل عددا منهم نحو المستعمرة الفرنسية بالجزائر. وقد واجه هؤلاء المعتقلون ظروفا قاسية ففصلوا عن عائلاتهم واضطروا لتغطية أنفسهم بالرمال للاحتماء من البرد على الشواطئ، وعانوا من سوء التغذية وانتشار الأمراض بسبب الظروف الصحية السيئة، وبسبب ذلك فارق الآلاف من الإسبان الحياة بالمعتقلات الفرنسية.

جانب من الخراب الذي خلفه القصف على المدن

لاحقا، خيّرت فرنسا هؤلاء الإسبان المعتقلين بين الانضمام للفيلق العسكري الأجنبي الفرنسي للقتال لصالحها أو مغادرة أراضيها. وقد أدى ذلك لرحيل نحو ثلثي هؤلاء الإسبان، فبينما هاجر كثير منهم نحو دول أميركا اللاتينية عاد البقية نحو إسبانيا ليجدوا أنفسهم داخل مراكز العمل القسري التابعة لنظام فرانكو.