.
.
.
.

ارتبطت بوباء قتل الملايين ولا تزال تخدم في المنازل

نشر في: آخر تحديث:

يتأثر السلوك الإنساني بالأوبئة، على مختلف مستويات خطورتها. ومثلما غيَّر الوباء المستجد كورونا، بأسلوب حياة البشر وأنماطهم السلوكية، كالتوقف عن المصافحة والعناق والاحتضان، والاستعاضة عنها بإيماءات واحتكاكات جسدية مختلفة، للوقاية من انتقال العدوى، فقط سبق وأثّر الطاعون، وهو أحد أشهر وأخطر الأوبئة عبر التاريخ، في أنماط سلوكية تغيّرت بقصد الوقاية من انتقال المرض من المصابين إلى غير المصابين.

وبحسب تسجيلات طبية رسمية، دوّنها أطباء غربيون فإن عادة تسلّم المؤن والحاجيات المنزلية، عبر دلو يتدلى من حبل، ارتبطت، تاريخياً، بإجراءات الوقاية من وباء الطاعون الذي قتل عشرات الملايين حول العالم.

ويشار في هذا السياق، إلى أن عادة تسلّم الحاجيات والمؤن، من دلو أو سلّة تتدلى مربوطة بحبل، لا تزال قائمة في كثير من البلدان، كطريقة تخدم صاحب الشقة وتوفر عليه النزول عبر السلالم، لشراء الحاجيات.

وذكر الدكتور البريطاني ألكسندر راسل، المتوفى سنة 1768م، وهو الطبيب الذي نذر نفسه لدراسة مرض الطاعون وترك مؤلفات في هذا السياق، أصبحت من أساسيات تشخيص وعلاج وتاريخ مرض الطاعون في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، أن ازدياد عدد المصابين بمرض الطاعون، كان يدفع الناس لاتباع إجراءات احتياطية للوقاية من التعرض للعدوى، تقوم على "الاعتكاف" في البيوت، ووضع حد لجميع أنواع التواصل مع الآخرين.

حبْل ينتهي بدلو لجلب المؤن

في المقابل، فإن الاعتكاف في البيوت، و"وضع حد" لجميع أنواع التواصل مع الآخرين، يؤدي إلى أزمة معيشية تتفاقم يوماً بعد يوم، بسبب الحاجة المتواصلة للمؤن والخدمات المختلفة. هنا، يتحدث راسل في كتابه "تاريخ حلب الطبيعي في القرن الثامن عشر" عن ما وصفه بجهاز، لاستلام المؤن والحاجيات والرسائل من العالم الخارجي، يغني عن الاتصال المباشر مع الآخرين وإمكانية التقاط العدوى بالطاعون الذي كان يفتك بالناس في القرن الثامن عشر الميلادي، خاصة في حلب السورية التي كان يعمل فيها، راسل، طبيباً للجالية البريطانية وكان يعالج بقية السوريين والعرب والأجانب، في ذلك الوقت، وكان على دراية واسعة باللغة العربية والتاريخ الإسلامي، خاصة منه الجانب العلمي المتعلق بالطب والعلوم.

ويصف راسل الجهاز، على أنه مؤلف من أربع قطع، هي الحبْل، وسلسلة حديدية، ودلو مصنوع من النحاس، وصنّارة. وبحسب وصفه، فالصنارة تلتقط الدلو، والأخير متصل بالسلسلة المعدنية التي بدورها متصلة بالحبل المتدلي، ويتم ملء الدلو بالحاجيات والمؤن في الأسفل، ثم إعادة سحب الحبل بكل ما فيه إلى الأعلى، وتفريغه داخل البيت، مع الأخذ بعين الاعتبار، بحسب الطبيب المذكور، وضع زجاجة خلّ داخل الدلو، من أجل التعقيم قبل استلام المؤن وإدخالها إلى المنازل.

مشهد غريب في ذلك الوقت

ومن الجدير بالذكر، أن عادة إنزال الحبل المنتهي بدلو، من الأعلى إلى الأسفل، من أجل ملئه بحاجيات، كانت تثير المارّة وتلفت انتباههم كما لو أنها عادة جديدة عليهم، بحسب ملاحظة للطبيب قال فيها: "ومن الأفضل، أن تطل النافذة على الجزء الأقل ارتياداً من الخان أو الشارع، لتجنّب المارّين المتسكّعين الذين تجتذبهم غرابةُ المشهد عند استلام المؤن".
وإذا كانت الرسائل تنقل عبر رسول، أو حمام زاجل، فإن وباء الطاعون غيَّر من الأنماط السلوكية التي كان يتبعها البشر في استلام رسائلهم. ويوضح راسل طريقة طريفة لاستلام الرسالة المرسلة، عبر قصبة طويلة أُحدِث فيها شق في نهايتها، من أجل غرز الرسالة به، ثم رفع القصبة عالياً، مرة أخرى، لرشّ مادة الكبريت المطحون، على الرسالة، لتطهيرها من أي تلوث قد يكون لحق بها، في الخارج.

وفي تفاصيل تلقي الرسائل ومجمل الأوراق، فإن الإجراءات لا تنتهي عند هذا الحد، بحسب "تاريخ حلب الطبيعي" إذ يرش عليها الخلّ، أولا، وهي لا تزال معلقة على شق القصبة، ثم يتم تدخينها بمادة الكبريت، وعبر مادة أخرى لم يسمّها الطبيب البريطاني، إلا أنه قال إنها تستعمل في مالطا.

أخطر الزائرين

وكما أصبح هناك "ضحايا" من الحيوانات، بسبب اتهامها بالتسبب بجائحة كورونا، في هذه الأيام، فإن ضحايا ذلك العصر من الحيوانات بعد وباء الطاعون، القطط. يصف راسل القطط بأنها "من أخطر الزائرين" كونها تتقافز من بيت إلى آخر، كما يقول مضيفا أن الجميع اتفق على حظرها، ويوصي بإطلاق النار عليها، إذ عثر عليها وهي تتجول، على أسطح المنازل. أما إذا كانت القطط من النوع المنزلي الداجن، فيمكن حبسها ومنعها من الخروج والاختلاط هي الأخرى.

ونشر الطبيب ألكسندر راسل، بالاشتراك مع شقيقه الطبيب أيضا ويدعى باتريك، كتابه المشار إليه، لدى عودته إلى إنجلترا، سنة 1756م، ويقول محققو ومترجمو كتابه، إنه كان نموذجاً للرحمة والعطف على المرضى وإنه كان يتمتع بقدرات طبية فائقة، وخلفه في علاج الجالية البريطانية في مدينة حلب السورية، شقيقه الدكتور باتريك الذي توفي سنة 1805م بعد أن أضاف على عمله بدراسة وباء الطاعون وأرسل له ملاحظاته، فأصبح الكتاب المذكور، ينشر باسميهما، معاً، الأخوين ألكسندر وباتريك راسل.