.
.
.
.

في هذه المدينة وقعت مجزرة عثمانية قتلت 600 مسيحي!

المذبحة أسفرت عن رحيل آخر مرتزق عثماني بعد 253 عاما من الاحتلال

نشر في: آخر تحديث:

خلال شهر سبتمبر 1898، كانت جزيرة كريت اليونانية على موعد مع واحدة من المجازر العثمانية التي أودت طيلة العقد الأخير من القرن التاسع عشر بحياة مئات الآلاف من الأشخاص. فعقب المذابح الحميدية التي أمر بها السلطان عبد الحميد الثاني، الملقب بالسلطان الدامي والسلطان الأحمر لدى الأوروبيين، والتي أودت ما بين عامي 1894 و1896 بحياة نحو 300 ألف من المسيحيين الأرمن والآشوريين بشرق الأناضول، صبّ العثمانيون جام غضبهم على مسيحيي منطقة كاندية (Candia)، المعروفة أيضا بإيراكليو (Heraklion)، فأبادوا المئات من سكانها متسببين في حالة من الغضب لدى القوى الأوروبية التي شجبت الحادثة بشدة.


خرق العثمانيين للاتفاقية

وتعود بداية أطوار هذه الحادثة لسبعينيات القرن التاسع عشر. فخلال تلك الفترة، شهدت جزيرة كريت العديد من الاضطرابات بسبب السياسات التعسفية والقمعية التي مارستها السلطات العثمانية ضد المسيحيين بالمنطقة. وأمام هذا الوضع، طالب مسيحيو كريت بضرورة ضم الجزيرة لليونان لإنهاء معاناتهم من الممارسات العثمانية.

وخلال العام 1878، شهدت كريت ثورة ضد المسؤولين العثمانيين المحليين انتهت بتدخل القوى الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا التي عرضت وساطتها لإنهاء الخلاف بين مسيحيي كريت والدولة العثمانية.

إلى ذلك، أسفرت الوساطة البريطانية عن توقيع اتفاقية هاليبا (Halepa) خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر 1878 التي وافق من خلالها السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، الذي استلم العرش سنة 1876، على إجراء إصلاحات تضمن حقوق المسيحيين بكريت.

في الأثناء، لم يحترم عبد الحميد الثاني بنود اتفاق هاليبا واتجه لخرقها أكثر من مرة. وسنة 1889، أدت عمليات خرق هذه الاتفاقية لاندلاع احتجاجات مسيحية قمعها العثمانيون بالحديد والنار. وسنة 1895، خرق السلطان العثماني مجددا هذه الاتفاقية عن طريق إزاحة الحاكم المسيحي للمنطقة متسببا بذلك في اندلاع ثورة انتهت بتدخل القوى الأوروبية التي سرعان ما أجبرت عبد الحميد الثاني بالالتزام بما قبل به سابقا عام 1878.

أحرقوه حيا

إلى جانب ذلك، وافق عبد الحميد الثاني على إرسال قوة دولية لحفظ الأمن بجزيرة كريت لتجنب تكرار أعمال العنف ضد المسيحيين. وخلال الأشهر التالية، حلّت بضع مئات من القوات البريطانية بكريت واستقرت بها لفترة وجيزة قبل أن تندلع أعمال العنف مجددا بسبب مركز جمارك بكاندية.

فبالتزامن مع وصولهم للمنطقة، طالب البريطانيون بضرورة تسليمهم مركز الجمارك القريب من الميناء لضمان تسيير شؤون الجزيرة ونقل المؤن لها مؤكدين على أهمية ذلك لإنجاح مهمتهم الدولية. ومع اقتراب البريطانيين من هذا الموقع، عمدت فرق من المرتزقة والمسلحين العثمانيين الغير نظاميين لتحريض مسلمي المنطقة ورافقتهم لمهاجمة المواقع البريطانية بالميناء ليشهد بذلك الميناء معارك أودت بحياة 14 جنديا من قوات حفظ السلام البريطانية.

لاحقا، عمد المسلحون العثمانيون غير النظاميين لمهاجمة منزل نائب القنصل البريطاني بكاندية وأحرقوه حيا رفقة زوجته وأبنائه.

وخلال الساعات التالية، امتدت أعمال العنف نحو بقية أرجاء كاندية حيث هاجمت المرتزقة العثمانية، رفقة عدد من المسلمين المحليين، منازل المسيحيين لتشهد بذلك المنطقة مذبحة راح ضحيتها المئات. وقد عمد العثمانيون حينها لقتل كل مسيحي اعترض طريقهم مهما كان جنسه أو عمره كما اغتصبوا أيضا العديد من النساء ونهبوا الممتلكات.

إلى ذلك، استمرت هذه المذبحة لساعات وانتهت مع اقتراب السفن الحربية البريطانية من سواحل كاندية. وقد أسفرت هذه المجزرة العثمانية عن مقتل نحو 600 مسيحي من أهالي كاندية كان من ضمنهم عدد كبير من النساء والأطفال.

رد دولي ضد جرائم العثمانيين

خلال الأيام التالية، عبّرت الملكة البريطانية فكتوريا عن غضبها من الحادثة التي جاءت بعد فترة وجيزة من أهوال المذابح الحميدية. وكرد على ذلك، تمكن البريطانيون من اعتقال عدد من أفراد المرتزقة العثمانية بكاندية وأعدموهم شنقا. فضلا عن ذلك، أثبتت التحقيقات التي أجريت لاحقا وقوف مساعد الحاكم العثماني المحلي للمنطقة إيثام باشا وراء المذبحة.

في الأثناء، أعادت مجزرة مسيحي كريت قضية الجزيرة للواجهة. وقد دفع هذا كلا من بريطانيا وفرنسا وروسيا لتوجيه إنذار أخير لعبد الحميد الثاني لسحب قواته من كريت. وبعد نحو شهرين، غادر آخر المرتزقة العثمانيين الجزيرة لتنتهي بذلك فترة احتلال كريت من قبل الدولة العثمانية والتي استمرت 253 عاما. وبحلول العام 1913، ضمّت هذه الجزيرة بشكل رسمي لليونان.