.
.
.
.

بالحرب الباردة.. لقاء صعّد الخلاف الأميركي السوفيتي

"إنه أسوأ شيء بحياتي، لقد هاجمني وفاز"..هكذا وصف الرئيس الأميركي اللقاء

نشر في: آخر تحديث:

في خضم الحرب الباردة، عاش العالم عام 1961 على وقع تصعيد غير مسبوق بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي حيث تراكمت العديد من العوامل لتزيد من حدة التوتر بين المعسكرين الغربي والشرقي.

فعقب الثورة الكوبية التي ساهمت في صعود فيدل كاسترو وإرساء نظام شيوعي، حليف للسوفيت، على مقربة من فلوريدا، قاد الأميركيون خلال شهر نيسان/أبريل 1961 تدخلا عسكريا فاشلا عند منطقة خليج الخنازير بجزيرة كوبا. فضلا عن ذلك، عاشت دولة لاوس (Laos) على وقع حرب بالوكالة بين الطرفين. فبينما ساند السوفيت قوات باثيت لاو (Pathet Lao) الشيوعية، دعم الأميركيون جنود مملكة لاوس.

صورة للرئيس الأميركي جون كينيدي
صورة للرئيس الأميركي جون كينيدي

من ناحية أخرى، مثلت أزمة برلين نقطة خلاف مفصلية بين المعسكر الغربي ونظيره الشرقي. فما بين عامي 1945 و1961، فرّ ما يزيد عن 2.7 مليون ألماني من ألمانيا الشرقية نحو ألمانيا الغربية عبر برلين متسببين بذلك في تراجع كبير بعدد سكان جمهورية ألمانيا الديمقراطية المدعومة من قبل السوفيت.

وفي ظل هذه الظروف، اتفق الرئيس الأميركي جون كينيدي ونظيره السوفيتي نيكيتا خروتشوف على الالتقاء بالعاصمة النمساوية فيينا مطلع شهر حزيران/يونيو 1961 أملا في خفض حدة التوتر بين البلدين.

صورة لنيكيتا خروتشوف
صورة لنيكيتا خروتشوف

لقاء فاشل لم يسفر عن نتيجة ملموسة

وقد انعقد اللقاء الأول والأخير بين كل من كينيدي وخروتشوف بفيينا يوم 4 حزيران/يونيو 1961. وخلال هذه القمة الأميركية السوفيتية، التي جرت وقائعها بعد 5 أيام فقط عن حادثة اغتيال دكتاتور جمهورية الدومينيكان رافائيل تروخيو (Rafael Trujillo)، تصّدر موضوع أزمة برلين المحادثات حيث عبّر السوفيت عن قلقهم من تواجد القوات الأميركية بها وتشاءموا من فكرة انضمام ألمانيا الغربية لحلف الناتو مؤكدين أن ذلك يمثل تهديدا جديدا للسلام العالمي بعد نحو 16 عاما عن نهاية الحرب العالمية الثانية.

صورة لفيدل كاسترو وغيفارا عقب نجاح الثورة الكوبية
صورة لفيدل كاسترو وغيفارا عقب نجاح الثورة الكوبية

وكرد على ذلك، عبّر كينيدي عن رفضه لفكرة خروج القوات الأميركية من غرب برلين، مؤكدا أن وجودها يتطابق مع ما اتفق عليه الحلفاء عقب نهاية الحرب العالمية الثانية.

فضلا عن ذلك، تحدّث الرئيس الأميركي عن مسألة إهانة وإذلال للجيش الأميركي في حال مغادرته للمنطقة. ومع فشلهم في التوصل لاتفاق حول أزمة برلين، حاول كينيدي فتح موضوع الحرب الأهلية بلاوس أملا في فهم موقف السوفيت من إنهاء النزاع المستعر هنالك منذ نحو عامين. وفي النهاية، عبّر خروتشوف عن رغبته في وقف التصعيد مؤكدا على ضرورة السماح لسكان لاوس بتقرير مصيرهم ونظام حكمهم.

صورة بفيينا عام 1961 لكل من كينيدي وخروتشوف
صورة بفيينا عام 1961 لكل من كينيدي وخروتشوف

إلى ذلك، لم يسفر هذا اللقاء عن أية نتيجة تذكر لتخفيف حدة التوتر بين البلدين وأدى في المقابل لزيادة العداوة بين المعسكرين حيث رفض كلا الطرفين تقديم أية تنازلات تذكر ليعود بذلك كل من كينيدي وخروتشوف لبلديهما فارغي اليدين.

رئيس غير ناضج سياسيا

وبينما اعتبر عدد من الأميركيين هذه القمة انتصارا دبلوماسيا، صنّفها آخرون كفشل ذريع للرئيس جون كينيدي، البالغ من العمر 44 عاما، الذي عجز عن غزو كوبا قبل بضعة أسابيع وافتقر للخبرة لمواجهة خروتشوف الذي تقلد مناصب عديدة بالإتحاد السوفيتي ومكث لجوار ستالين لأكثر من 10 سنوات.

صورة تجمع بين كينيدي وخروتشوف خلال لقاء فيينا
صورة تجمع بين كينيدي وخروتشوف خلال لقاء فيينا

ومتجاهلا نصائح مساعديه بتجنب أي قمة مع السوفيت أو الاستعداد جيدا قبل لقاء خروتشوف، ارتكب كينيدي العديد من الأخطاء. فتحدث عن ميزان قوة متكافئ بين الاتحاد السوفيتي والصين من جهة والولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين من جهة ثانية معترفا بذلك دون قصد بالاتحاد السوفيتي كقوة عسكرية معادلة للولايات المتحدة الأميركية. أيضا، تحدّث كينيدي عن الوضع العالمي قبل الحرب العالمية الثانية. ودون أن يشعر بذلك، دافع الأخير عن الإمبريالية البريطانية والتوسع الاستعماري مثيرا بذلك نقطة حساسة أخرى.

عن هذا اللقاء، تحدّث خروتشوف لمساعديه واصفا كينيدي بالرجل الفاقد للخبرة والغير ناضج سياسيا مؤكدا على تفوق الرئيس الأميركي السابق أيزنهاور عليه.

صورة لكينيدي أثناء مصافحته لخروتشوف
صورة لكينيدي أثناء مصافحته لخروتشوف

أمام هذا الوضع، استخدم خروتشوف لغة دبلوماسية صارمة مع نظيره الأميركي حول مسألة برلين ورفض الأميركيين لبرنامج السوفيت بالمنطقة. فهدد بالحرب مؤكدا أن القرار بيد الولايات المتحدة الأميركية. وللرد على خروتشوف قال كينيدي "هل تريدون حربا سيدي الرئيس. سيكون شتاء باردا".

عن هذا اللقاء، تحدث كينيدي لمراسل النيويورك تايمز قائلا "إنه أسوأ شيء بحياتي، لقد هاجمني وفاز".

بعد نحو شهرين، باشر السوفيت بتشييد جدار برلين. وبالتزامن مع ذلك، انتقد كثيرون دور كينيدي وتحدّثوا عن تضييعه لفرصة ذهبية لمنع تشييد هذا الجدار في حال اعتماده للغة أكثر صرامة مع خروتشوف بفيينا.