.
.
.
.
خاص

رحّالة مغربي طاف 27 دولة بدراجته.. وعمل بـ7 مهن لتمويل رحلاته

ياسين غلام يروي لـ"العربية.نت" رحلة الـ1440 يوماً من أجل الإنسانية ومشاهداته المبهرة بالسعودية.. اشترط على زوجته قبل عقد قرانهما أن تطوف معه حول العالم بدراجة هوائية فوافقت

نشر في: آخر تحديث:

"مشوار الـ510 ملايين مربع يبدأ باستدارة عجلة".. حكمة يؤمن بها الرحالة المغربي الشاب ياسين غلام، الذي قرر بداية العام 2017 أن يطوف العالم بدراجة هوائية، فكرة جنونية كما وصفها بعض مقربيه، لكنها تمثل بالنسبة له رؤية حياتية وراءها طموح نبيل عابر للجغرافيا.

إلى ذلك استطاع ياسين على مدى 1440 يوماً، أن يجوب نحو 27 بلداً في إفريقيا، ودولتين من الشرق الأوسط، هما المملكة العربية السعودية والإمارات، ولا يزال المشوار طويلاً أمامه فهو يرنو إلى عبور المزيد، على الرغم من وجود فصول تحدٍ وأسوار صعاب وسلسلة مخاطر تدفعه أحياناً للمجازفة بحياته، وتنقله إلى أجواء مغامرات تحبس الأنفاس.

دراجته رفيقة دربه وشرط غريب لزوجته

ياسين -36 عاماً- وهو من مواليد الدار البيضاء، ينتمي من عائلة متوسطة تتكون من 8 أبناء، عمل 9 سنوات في مجال القطارات، وباتت دراجته تمثل رفيقة دربه، فلطالما كانت وفية له طوال 4 سنوات، فلم تخذله في منحدرات جبلية، أو رمال صحارى، وكانت دائماً تؤنس وحشته وسط البراري والغابات، لكنه قرر قبل 8 أشهر أن يتزوج وتكون له شريكة عمر حقيقية.

واللافت بأنه وضع شرطاً غريباً قبل أن يعقد قرانه، وهو أن تكمل معه مغامرة الطواف حول العالم على متن دراجة هوائية، والجميل في الأمر أنها وافقت وقبلت الشرط عن طيب خاطر، وهذا دليل على تفهمها لهذا الطموح الذي يحمل بعداً ثقافياً وإنسانياً، ويعطي حياتهما شعوراً مختلفاً، ويوزع ذكريات في أصقاع الجغرافيا.

طموح نبيل وشعار للسلام

خط البداية لانطلاقة ياسين، كان من مسقط رأسه في الدار البيضاء بالمغرب، متوجهاً إلى السنغال وغينيا ثم إلى غانا ونيجيريا والغابون والكونغو وأنغولا وناميبيا وموزمبيق وسوزيلاندا وجنوب إفريقيا، حتى وصل إلى جزر القمر ومدغشقر وجزر الموريس وتنزانيا وكينيا وإثيوبيا ومصر.

وخلال العام الأسود 2020، وبعد أن توقفت حركة العبور والسفر حول العالم، استطاع عاشق الغوص وصائد السمك ومتسلق الجبال ولاعب الملاكمة وكرة القدم، من خوض مغامرات كثيرة بين الحدود والجغرافيا، وتجشم عناء الجبال والصحارى والبراري والغابات من أجل تحقيق طموحه النبيل في استكشاف ثقافات الشعوب ونشر قيم الحب والسلام على هذا الكوكب، رسالة ياسين دائماً تكمن في البساطة، وأن الدراجة بوصفها وسيلة بدائية للسفر تحمل شعار جميلاً هو دعوة للتعايش مع الناس.

مملكة الخير والكرم والإنسانية

وفي حديث شائق خصّ به "العربية.نت"، قال ياسين: "حرمني كورونا من إكمال مشروع رحلاتي، وتوقفت في السعودية لعام كامل، لكنني قضيت أجمل ذكرياتي في مملكة الخير والكرم والإنسانية، فعندما دخلت إلى أراضيها، كنت ساعياً إلى أداء فريضة الحج، فاستقبلني أهلها بصدر رحب، كما دعمتني بالمثل مؤسساتها الثقافية والسياحية، وحققت لي أمنية روحية بأداء مناسك العمرة.

ومنحتني فرصة القيام برحلة لاستكشاف مقوماتها التاريخية وتنوعها السياحي، فالتقطت الفرصة وانطلقت لاستكشاف أماكن جذب ومواقع تاريخية وثقافية، وعشت ياسين رحلة ملهمة وشائقة، فرغم شدّة الحرّ، إلا إنني قطعت مسافة 1500 كيلو متر على متن دراجتي "البسكليت".
استغرقت الرحلة نحو 20 يوماً من مدينة أبها عروس جنوب السعودية، وصولاً إلى العاصمة الرياض، رفقة الرحالة السعودي فهد اليحيى.

أعظم تحفة وأقدم موروث

أما عن أبرز الأماكن التي طافها في المملكة، قال ياسين: "دخلت من مدينة حقل، مشيت بدراجتي الهوائية على طريق ينبع وبدر والمدينة المنورة، مروراً بالطائف بني عمر وبني شهر، وقصدت جيزان الحبلة وجزر خرسان، وخلال ذلك زرت أماكن أثرية، وعبرت قرية أصحاب الأخدود، ووصلت الرياض على طريق الإحساء، وطفت القصيم كله، ثم وصلت إلى مدينة العلا، وهناك وجدت أعظم تحفة سياحية وأقدم موروث بشري ضارب جذور التاريخ.

فقد أذهلتني معالم مثل مدائن صالح وجبل الفيل ومقابر الأسود ومحمية شرعان الطبيعية والبلدة القديمة، وانتقلت إلى المدينة المنورة، لأتوقف عند مواقع أثرية ذات عمق ثقافي وديني".

قطعة من المالديف

وتابع: "لم يكن يخطر ببالي أنني سأقف ذاهلاً أمام تلك العجائب والغرائب التي اكتحل به بصري على امتداد شواطئها المتلألئة، كأنها قطعة من المالديف، ودفء جبالها ووديانها وبراريها وغاباتها المترامية الأطراف.

ووصف ياسين رحلة المملكة بأنها رحلة نقلته من دهشة إلى أخرى، موضحاً : "لقد عشت ألوان الجغرافيا وبهجة التنوع على شريط صحارى مفتوحة، وصعدت قمماً جبلية تلامس الغيوم، وسبحت باسم الخالق أمام شلالاتها، وغسلت تعبي كله على ضفاف بحيراتها".

أندر بركانين في العالم موجودان في السعودية

كثيرون لا يعرفون أن مقومات المملكة سياحياً لا تقتصر على المعالم الدينية وحسب، بل تتعدى ذلك، هكذا يلفت ياسين، موضحاً: "استكشفت أماكن تزخر ساحرة تخطف النظر وتفتن الحواس، وتعرفت إلى اثنين من أندر البراكين في العالم، يقعان تحديداً بين مدينة خيبر في المدينة المنورة، أبرزها البركان الأبيض الذي يعد الأكثر شهرة بالسعودية، كما زرت كهوفاً يصل عمقها إلى 4 كيلومترات تحت الأرض".

ينتقل ياسين بالحديث عن الصورة النمطية المرتسمة في ذهنه عن المملكة قبل زيارتها، فقال: "قبل دخولي لمكة المكرمة والمدينة المنورة، اعتقدت أن المملكة كلها صحراء، ناهيك عن البعد الجغرافي بين المغرب وشبه الجزيرة العربية"، وأضاف: "نحن مثلاً لا نملك معلومات عن السعودية، حتى الحجاج يعطوننا معلومات عن الحجاج الأفغان والباكستانيين، لكنني وجدت السعوديين شعبا طيبا ومضيافا، يعاملون الجميع دون تفرقة، وقضيت معهم ذكريات جميلة، ويتسمون ببساطتهم، فتجدهم يجلسون على الأرض، ليتناولوا معك القهوة والرطب، وإلى جانب تشبثهم بالحضارة والانفتاح، إلا أنك تلمس تمسكهم بعاداتهم وتقاليدهم وعمق انتمائهم لبلدهم وملكهم".

موقف سعودي على باب خيمة

وفي سياق آخر، يروي ياسين قصصاً وتجارب لا تفارق ذهنه، قائلاً: "أتذكر عندما مشيت سيراً بالدراجة الهوائية، في طريق الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة، على خطى الحبيب المصطفى، استغرقت الرحلة 21 يوماً أي نحو 513 كيلومتراً بين الجبال، وكان من المفترض أن تدوم الرحلة 8 أيام إلا أنني تأخرت بسبب إصرار الأهالي على تلبية دعواتهم بالذبائح وعناصر ضيافتهم الطيبة.

وفي ذات يوم مع برد الصحراء القارس، استبد بي الجوع والعطش، ووجدت نفسي على باب خيمة لعائلة سعودية، فسألني الرجل من أين أتيت في هذا الليل، فأخبرته أنني رحّالة قادم من المغرب بالدراجة، فاستقبلني بالماء موفراً لي مكاناً دافئاً للمبيت، ثم أطعمني من عشاء أبنائه، وعاملني بطيبة ومعروف لا يمكنني نسيانه أبداً".

شواطئ تركوازية من عالم الفوتوشوب

لا يزال في جعبة ياسين الكثير عن رحلته في المملكة، يلخصها قائلا: "هناك جزيرة اسمها قماح تابعة لجزر خرسان، قد لا يعرفها كثير من السعوديين، شعرت فيها أنني أمام قطعة من بحيرات سويسرا، وهناك أيضاً جزيرة أخرى تابعة لمدينة القحمة، لوحات خيالية تشبه لوحات من عالم الفوتوشوب، حيث تتزين شواطئها بطيور الفلامينغو، وتتسم أجواؤها بفتنة الطقس ونقاوة مياهها التركوازية المغرية للسباحة، وتبهجك عروض الدلافين التي تنط عالياً قرب ضفافها لتعطي مشهداً غاية في السحر والجمال".

أليست بلاد مجاعة وخوف وقهر؟!

وعن أكثر البلدان التي ألممته وشكلت شخصيته، أجاب ياسين على الفور إنها قارة إفريقيا، وأضاف: "إفريقيا ليست بلاد مجاعة وخوف وفقر، كما هو مرسوم نمطياً في أذهاننا، إنها قارة نقاء الطبيعة وجوهر الإنسان الحقيقي، بلدان تحب السلام وتعشق الفرح والضحك والرقص والغناء، غنية بالمحميات والغابات موطن النباتات والحيوانات الأكثر ندرة وغرابة في العالم، عشت فيها حياة ثقافية كاملة وتعرفت على مكنونات إرث وتراث مذهل وفلكلور عريق".

مظلة تعايش وروابط دين وتشابه ملامح

وتابع: "علمتني القارة الإفريقية معنى الإنسانية، والصبر والتواصل مع الإنسانية دون استخدام أي لغة أخرى، علمتني فن التسامح وجمال الاختلاف، وأن أعيش مع الناس، ألا أحكم على شخص من مظهره أو لونه أو جنسه أو عرقه حتى أعاشره، وأثرت في نفسي، ولو اتيحت لي فرصة زيارتها مرة أخرى لقصدتها دون تردد أو تفكير"، مشيراً إلى أن المميز فيها هو التنوع السياحي تضاريس مختلفة أكثر قارة توجد فيها حيوانات بكل الفصائل، وعدد سكانها كبير يعيشون تحت مظلة تعايش إنساني لا حدود له.

واعتبر ياسين أنه مهما يكن من اختلاف كبير بين دول إفريقيا، إلا أن ذلك لا يلغي فكرة وجود روابط دينية في الملامح والعادات والتقاليد والدين وحتى في تشابه بعض الأشجار والنباتات، إلى جانب أن الطبيعة فيها لم تتغير وباقية على حالها.

كرم مؤثر لصبي سعودي

ويختم ياسين بأبرز المواقف التي رافقت رحلاته، فقال إن الكرم يأتي من الجذور، فلم يأتِ من ليلة وضحاها، هذا ما جسده لي موقف مع صبي سعودي صادفني على ظهر دراجتي، فناداني قائلاً غداؤك اليوم في دارنا، فلم آبه لدعوته كونه صبيا صغيرا، إلا أنه أصرّ على انتظاري رفقة والده مدة ساعتين في طريق العودة، وبالفعل ذهبت معهم وأيقنت حينها أن هذا الكرم الذي يتقنه الخليجيون هو فعل عربي متوارث من زمن الأجداد الأوائل.

حادث سير وثعابين وعقرب داخل حذاء

وهناك موقف آخر، يرويه ياسين: "كنت صائما في رمضان 4 سنوات على التوالي في إفريقيا، كنت أستيقظ في الفجر، أتناول طعاماً بسيطاً عبارة عن دقيق وسكر وماء، وتعرضت لحادث سير في نيجيريا وأمراض الماليريا، وأحيانا تجدك فيلة صغيرة فتأتي للعب معك، وإذا شاهدك أبواها، يركضون خلفك دفاعاً عنها فإذا أمسكوا بك لن تنجو من رفساتها".

وأكمل: "في الليل تنصب خيمتك، فتجد ثعبانا يباغتك تحت الخيمة، وتعثر على عقارب تدخل إلى حذاءك، أحدهم سرق دراجتي في جنوب إفريقيا، كل حقائبي وأغراضي الشخصية المحمولة عليها، ووجدت أشخاصاً آخرين عوضوني بأفضل مما فقدته".

7 مهن وحقيبة أغراض لا غنى عنها

تساءلنا عن الداعم والجهة التي تموّل رحلات ياسين، فأوضح: "في كل بلد اشتغل أسبوع أو شهر بالكثير، أجمع القليل من المال وأكمل رحلتي، اشتغلت مثلاً، عامل بناء، وسائق، ومترجم، وكهربائي، وميكانيكي، وغواص، ومرشد سياحي، وأبيع أحياناً مقاطع فيديوهات ومقالات".

أما عن حمولة الأغراض على دراجته، فهي عبارة عن خيمة وفرش وكتب يقرأها وأقلام وجواز سفري وكاميرا ولابتوب وأدوية والإسعافات الأولية وأغراض لتصليح الدراجة الهوائية وهارد ديسك ومعدات الطبخ.

آكلو حشرات ودود ولحوم القردة

ولا يخفي ياسين أنه يعاني أحياناً من صعوبة الحصول على التأشيرات، وبروتوكولات التنقل بين الدول، وكذلك حاجز اللغة وصعوبة التواصل مع الناس، إلى جانب ظروف تتعلق بتغيرات الطقس مثل حدوث عواصف مطر قوية وموجات حر شديد، بعض الأحيان عواصف رملية.

هذا إلى جانب صعوبة الطرق الوعرة في جبال ومناطق صحراوية وطرق بها حفر، وتحديات الأكل المختلف والغريب مثلا في بعض الدول يأكلون أي شيء يتحرك ماعدا الإنسان مثل لحم القردة والدود والحشرات وجميع فصائل الحيوانات دون استثناء.

تقديم محاضرات

وبخصوص خططه المقبلة، قال: "سأكمل رحلتي في الإمارات وسلطنة عمان ودول الخليج كلها، وبعدها أنتقل إلى دول آسيا، ثم سأتوجه إلى استكشاف القارة الأميركية، يحمل شعاراً في كل رحلاتها، أنه لا وجود لشيء مستحيل مع وجود الإرادة والعزيمة، أقول لنفسي دائماً، إذا أردت ستصل، فقط اتخد القرار وانطلق، وأحرص في كل بلدٍ على تقديم محاضرات للشباب في المدارس والجامعات لتحفيزهم على تحقيق أحلامهم وتعزبز الثقة بقدراتهم.

ترميم مدرسة ووداع مؤثر لصبي

وذكر ياسين موقفاً لن ينساه في دولة توغو غرب إفريقيا: "عشت مدة طويلة في قرية دافو، كنت أعلم الأطفال الرياضيات والقراءة والكتابة بالفرنسية، ونلعب كرة القدم، واستثمر وقتهم، ساعدنا في ترميم قسم من مدرسة بنيناه بالطوب، تعلق بي ولد صغير، كان يقضي وقتاً طويلاً معي لدرجة تعود فيها على مكوثي معهم، وعما قررت المغادرة، تشبث بي وكان يبكي لدرجة إنه رافقني بالدراجة إلى الطريق الرئيسي، ومنذ ذلك اليوم، ولا تزال صورته مرتسمة على بالي، وقال لي عند الوداع: "سافر إلى دربك.. أرجوك لا تعد إلينا ثانية، فقد تعودنا عليك وأكلنا معك الطعام والشراب، فلا توجع قلوبنا مرة أخرى".

فرن للخبز ودعم ذوي الهمم على سناب

ولم يفوت ياسين الحديث عن أبرز المبادرات التي قدمها في إفريقيا، فقال: "كنت أساعد بعض القرى في الزراعة وكيفية التعامل مع الأرض والسقي وزرع الخضار، وعملت مشاريع بسيطة، فعلى سبيل المثال، بنيت فرنا للخبز لنساء قرية في إفريقيا، وصرن يبيعن الخبز، كنت أخصص وقتاً لتعليم الأطفال الكتابة بالعربية، ومازلت أنشر وأدعم أصحاب الهمم من خلال نشر مشاريعهم عبر منصتي الخاصة في تطبيق سناب شات" @yassineghallam".