ناديا البلبيسي في حديث من القلب
ناديا البلبيسي
في حديث من القلب
بالرغم من أن نحو 244 مليون ناخب في الولايات المتحدة سيكون بإمكانهم المشاركة في التصويت في الخامس من نوفمبر القادم لاختيار من سيتولى منصب الرئاسة في البيت الأبيض، فإن قرار الحسم مرهون في يد حفنة قليلة من الأمريكيين، بسبب النظام الانتخابي الخاص في الولايات المتحدة، لذلك فإن سبع ولايات تعتبر ولايات الحسم، ولها الأثر الأكبر في تحديد هوية الرئيس القادم، وهي: أريزونا، ونورث كارولاينا، وجورجيا، وميشيغن، ونيفادا، وبنسيلفانيا، وويسكونسن.
رقم الإصدار نوفمبر 2024
شارك
  • تم نسخ الرابط

تقود سباقًا ميدانيًّا بتغطية متميزة للرئاسيات الأمريكية


انطلاقًا من هذا المعطى، اختارت «العربية» أن تقدم برنامجًا مختلفًا في الشكل والمضمون، وفي التصور العام، من إعداد وتقديم رئيسة مكتبها في واشنطن ناديا البلبيسي، الصحفية والكاتبة المتخصصة في الشأن الأمريكي، التي بدأت تجربتها الإعلامية منذ العام 1987 مراسلةً لوكالة الأنباء الفرنسية في القدس، وفي منتصف تسعينيات القرن الماضي قامت بتجربة صحفية في إثيوبية قبل أن تعرض عليها قناة MBC العمل مديرةَ مكتب إقليمي في نيروبي، لتكون بذلك أول صحفية عربية تتولى تغطية شؤون القرن الإفريقي، ومن هناك اتسعت التجربة لتشكل بؤر التوتر ومناطق الصراع في عدد من دول العالم، لتنضم في العام 2003 إلى قناة «العربية» مع انطلاقتها الأولى، ومنذ ذلك أصبحت أحد أبرز أعمدة العمل الميداني، وفاعلة أساسية في صفوف المراسلين الأجانب المعتمدين في الولايات المتحدة.
سألناها أن تقدم نفسها لقراء «العربية» فقالت: «صحفية ستينية، لكن لدي شغف الأطفال وفضولهم، سريعة الحركة وأعشق التغيير وأكره الرتابة، أحب الصحافة، ولا أعتبرها وظيفة لأنها أسلوب حياة، فيها الكثير من الجهد الشخصي والاستمتاع بصناعة الخبر، وفيها مغامرات وإحباط وشعور بالرضا وتحقيق الإنجازات، لكن الأهم هو أنها تفتح لي أبوابًا وتعرفني على كل أنماط الناس، من السياسي إلى رجل الشارع. أنظر إلى الساعة عندما أعمل، لا أحب أن أكون شاغرة لمقعد في أي إيجاز صحفي، أحضِّر أكثر من سؤال، وأفرض نفسي بمهنية، أنا إنسانة عملية، أكره الروتين، دومًا أحب التجديد، وإلَّا أشعر بالملل بسرعة، أحب التحدي وأهمُّه تحدي الذات».
وأضافت «أعمل في الصحافة منذ أكثر من ثلاثين عاما، بدأت مع وكالة الصحافة الفرنسية خلال الانتفاضة الأولى، ثم درست الماجستير في جامعة سيتي في لندن، ثم عملت مراسلةً ميدانيةً في سيريلانكا، وغطيت الحرب الأهلية هناك، وعشت 10 سنوات في إفريقيا مراسلةَ حرب، فقدت زوجي في حادثة طائرة مختطفة في إثيوبيا عام 1996، وربيت طفلَيَّ وحدي، أفتخر بهما الآن بعدما حصلا على شهادة الماجستير، انتقلت إلى واشنطن مع «العربية» بعدما غطيت بداية الغزو الأمريكي للعراق، وكنت مع قوات المارينز، وأنا أسكن في واشنطن منذ عشرين عامًا. أحمل ثلاث جنسيات إيرلندية وأمريكية وفلسطينية».

أردت لـ«ولايات الحسم» أن يكون مختلفًا.. ولا مثيل له في القنوات العربية

ناديا البلبيسي

  • لماذا «ولايات الحسم»؟

عندما اتصل بي مدير البرامج هادي الحناشي وعرض عليَّ أن أقدم برنامجًا عن الانتخابات الأمريكية أردت أن يكون هذا البرنامج مميزًا ولم يتم عرض مثيل له على المحطات العربية الأخرى، بمعنى آخر، لا إعادة، ولا تكرير للضيوف، ولا عرض نفس الأسئلة ولا نفس الشكل أو المضمون. الهدف أن نتابع الحدث العالمي الكبير برؤية إعلامية مختلفة، تقترب بالمشاهد العربي، سواء أكان من أصحاب القرار أم من المراقبين والإعلاميين أم من عامة الجمهور، من تفاصيل المشهد الانتخابي.

ناديا البلبيسي تصوير إحدى الحلقات
ناديا البلبيسي تصوير إحدى الحلقات

  • ما سر إصرارك على تقديم البرنامج ميدانيًّا رغم التزاماتك الإدارية كمديرة مكتب؟

منذ أن بدأت مشواري الطويل في الصحافة قبل ثلاثين عامًا تقريبًا أعتبر العمل الميداني الأقرب إلى قلبي، رغم أن التحديات فيه جمة، وخصوصًا للصحافة المرئية، لما تتطلب من إقناع الضيوف بالحديث أمام الكاميرات والأضواء مسلطة عليهم، وكذلك التحضير اللوجستي وتحديات الأحوال الجوية من إعصار وأمطار إلى رطوبة كفيلة بتخريب تسريحة الشعر لمراسلة تليفزيونية.
ما إن أكملت الفكرة برغبتي في تقديم برنامج ميداني بدلًا من استديو جامد نأخذ فيه المشاهد في رحلة عبر الولايات المتأرجحة حتى قفز الزميل هادي وقال لي "هذا ما أريده، وأنا من أكبر المؤيدين للعمل الميداني". هكذا ولدت الفكرة.

  • وماذا عن الإعداد اللوجستي للبرنامج؟

نعمل بميزانية منخفضة، لكن بإنتاج قوي، فريق العمل هو أنا المعدة والمنتجة، وأقوم بإحضار الضيوف، أحيانًا أطلب من منتج الأخبار أن يرتب معهم، وأحيانًا أتصل بهم مباشرة، أعتمد على المعرفة الشخصية بهم، خصوصًا مع السياسيين والمشرعين.

لهذه الأسباب يعطي المشاهد العربي اهتمامًا كبيرًا للانتخابات الأمريكية

ناديا البلبيسي

  • بحسب رأيك ما سرُّ اهتمام المشاهد العربي بالبرنامج؟

الانتخابات الأمريكية لها تأثير كبير على المنطقة، فالرئيس يتخذ قرارات تؤثر بشكل مباشر على مستقبل الشرق الأوسط وعلى حياة المواطنين، مثل قرار الرئيس بوش بغزو العراق، أو قرار الرئيس أوباما بسحب القوات الأمريكية من هناك، أمرٌ رأى كثيرون أنه ساعد في ولادة داعش، أو قرار ترامب بالانسحاب من المعاهدة النووية مع إيران، أو دعم إدارة بايدن المطلق لإسرائيل في حربها في غزة. لذا، الأعين كلها مسلطة على هاريس وترامب ومن سيفوز منهما بالانتخابات القادمة.

  • على أي أساس يتم اختيار ضيوفكم من الفاعلين والمحللين السياسيين؟

في العادة، وبسبب خبرتي الطويلة في العمل الميداني وتغطيتي ست حملات انتخابية، أنا أرسم خريطة البرنامج، وأحضِّر قائمة بأسماء الضيوف، وطبعًا دومًا أطمح أن يكون لدينا وجهات نظر مختلفة، جمهورية وديمقراطية، بالنسبة إلى اختيار الأشخاص أحرص أن يكون لديهم ما يقولونه، وأن أنوِّع بين الفئات العمرية والإثنية، لنعكس الصورة الأدق للمشاهد.

  • بِمَ تتميز تغطية «العربية» و«الحدث» للسباق الرئاسي الأمريكي، عن بقية القنوات العربية المنافسة؟

في العادة عندما يوكل المراسل بعمل برنامج، وخصوصًا ميدانيًّا، يتطلب السفر كل أسبوع إلى ولاية فإنه يخصص الوقت لعمل البرنامج، لكن في حالتي الأمر مختلف، فأنا كمديرة المكتب لدي التزامات إدارية وتحريرية، وهذا ما أضاف إليَّ صعوبة في العمل وإنجاز حلقات مبهرة تأخذ المشاهد العربي في رحلة سياسية ثقافية وسياحية عبر الولايات، أردت أن يكون المشاهد العربي معي وكأنه ظلِّي، يدخل إلى المتاجر والمقاهي والبلديات ليفهم نبض الشارع بعيدًا عن رسميات واشنطن.

  • وماذا عن اهتمام المشاهد العربي بالانتخابات الأمريكية؟

المشاهد العربي يعطي اهتمامًا كبيرًا بالانتخابات الأمريكية، أولًا لأنها القوة العظمى الوحيدة في العالم، وثانيًا لأن السياسات الأمريكية تؤثر مباشرة في حالتَي السلم والحرب.

الإعلام العربي يتابع كل التفاصيل في الانتخابات الأمريكية أكثر من المواطن الأمريكي، وكل حادثة تحصل في العالم بحاجة إلى رد فعل أمريكي.

  • هل هناك متابعة رسمية وحزبية في الولايات المتحدة لما تقدمه وسائل الإعلام العربي؟ وما موقع «العربية» في هذا السياق؟

أعتقد أن هناك بعض المتابعة، وخصوصًا في وزارة الخارجية، التي لديها قسم مراقبة الإعلام العربي، وهناك اهتمام بما نكتبه، معظم الذين أجري معهم مقابلات يعرفون قناة العربية.

  • كمتابعة عن قرب ومتخصصة في الشأن الأمريكي.. كيف ترجحين أن تكون نتائج السباق الرئاسي؟

طبعًا من الصعب التنبؤ بنتائج الانتخابات، لكني أعتقد أن الأجواء الآن بعد استبدال بايدن بهاريس أصبحت حماسية أكثر للناخبين، وتشبه ما عاشته البلاد قبيل انتخاب أوباما، الأمريكيون يحبون صنع التاريخ، وقد يصوتون لأول امرأة ملونة لتدخل التاريخ من أوسع الأبواب، لكن قد تكون هناك مفاجآت، لأن النسب متقاربة والسباق محموم، وفي العادة عدد كبير من الناخبين لا يعلنون أنهم سيصوتون لترامب.

  • من باب الطرافة: هناك من يطلق عليك لقب «القناص».

المصور الذي أعمل معه يسميني "القناص"، لأني أصطاد الضيوف بسرعة، وأستطيع إقناعهم بالحديث أمام الكاميرا، أتسلح بابتسامة وأدخل إلى مقهى وأقترب من مجموعة وأقدم نفسي ومحطتي وأطلب منهم المشاركة.

  • ما أطرف موقف مررتِ به خلال تجربتك في تغطية الانتخابات؟

أطرف موقف كان في مدينة صغيرة تسمى كاتيل سكوير في ولاية بنسلفانيا، عندما حاولت الحديث مع عدد من السكان ولم أجد أحدًا يتحدث الإنجليزية، لأكتشف أن معظمهم مهاجرون من أمريكا اللاتينية وغير شرعيين يعملون في مزارع الفطر في الولاية التي تعتبر المصدر رقم واحد في الولايات المتحدة، ضحكت وقلت لنفسي هؤلاء الذين يبحث عنهم الرئيس ترامب الذي وعد بطرد كل المهاجرين غير القانونيين في أول يوم من وصوله إلى البيت الأبيض.
أيضًا في طريق العودة كنا نريد تصوير مزرعة، بحثنا على خرائط غوغل فأرشدنا إلى مكان في ولاية ماريلاند لنجد مزرعة لأب مع أطفاله الأربعة الذين انبهروا بكاميرات التصوير لنكتشف أنهم من طائفة الاميش التي تعزل نفسها عن المجتمع الحضري، حتى الأطفال يتحدثون اللغة الهولندية بدلًا من الإنجليزية.

  • بعيدًا عن أجواء العمل، ما أبرز هواياتك؟

أعشق الزراعة وأقضي كل يوم ساعة في الصباح قبل أن أذهب إلى العمل في الحديقة، عندي شجرة تين تثمر كل عام، وعندي دالية عنب، وأزرع الطماطم والفلفل والزعتر الأخضر والباذنجان كل عام، أحب الأرض كثيرًا، ولو لم أكن صحفية لكنت مزارعة بالتأكيد.
أحب السفر كثيرًا، وخصوصا إلى بلاد لم أزرها قبل، رغم أني زرت ما يقرب من 90 دولة، أشعر بتجدد طاقتي عندما أسافر، وبتوسيع إدراكي لثقافات وديانات أمم وشعوب، السفر يجعل الشخص أكثر انفتاحًا وقبولًا لثقافة الآخرين.

  • ما مدينتك المفضلة في الولايات المتحدة؟

مدينتي المفضلة في أمريكا هي واشنطن، لأن لديها نفوذًا كبيرًا، وأستطيع فهم السياسة الأمريكية بسهولة فيها، ومدينة سهلة للتنقل وجميلة في تغير الفصول رغم الرطوبة في الصيف والثلوج في الشتاء، وفيها العديد من المتاحف المجانية والكثير من المطاعم والمنتزهات.

  • لو تحدثيننا عن تجربة العيش في الخارج.

تجربة العيش في الخارج تصقل شخصية الإنسان، فهي تعلِّم الكثير من التأقلم لمواجهة تحديات الحياة والاعتماد على النفس، أنا شخصيًّا لا أشعر بالاغتراب في أي بلد، فقد عشت في جنوب شرق آسيا 4 سنوات، وفي بريطانيا 4 سنوات، وفي إفريقيا 10 سنوات، وفي أمريكا 20 سنة، وفي فلسطين 19 عامًا. أشعر بالحنين إلى البلاد العربية، وخصوصا الأصدقاء والأهل والأكل العربي، لكن ربما لأني طفلة وحيدة فقدت والدي منذ زمن طويل لا أشعر بأن مكانًا ما هو لي شخصيًّا، رغم انتمائي الوطني لفلسطين، لكن الوجود النفسي والحياتي يمكن أن يكون في أي دولة.

  • لو عاد بك الزمن إلى الوراء، هل كنت ستختارين الإقامة والعمل في الولايات المتحدة؟

لا، الولايات المتحدة لن تكون خياري لو رجع بي الزمن، ولن أتقاعد هنا، ستكون مركزًا فقط، لكن ليس للعيش مدى الحياة.

أحب دول البحر المتوسط، أحب رائحة زهر الليمون والياسمين في فصل الربيع وصوت أمواج البحر، أحب أن أجلس تحت شجرة الزيتون، وأقطف التين والرمان والمشمش، لذا يمكن أن أعيش في إسبانيا أو اليونان أو البرتغال أو تركيا أو أي من جزر المتوسط، أشعر براحة وصفاء نفس هناك. الحياة في أمريكا عبارة عن عمل متواصل، تشعر بالازدحام في رأسك حتى وأنت وحيد.