قصص المراسلين  مصطفى ابن حليمة.. قصة «على الأرض» تختصر معاناة أطفال غزة
قصص المراسلين
مصطفى ابن حليمة.. قصة «على الأرض» تختصر معاناة أطفال غزة
"ها هو مصطفى المعروف بابن حليمة عبد ربّه يُتم اليوم عامه الأول بعد أن فقد عينه وأمه وإخوته في القصف الإسرائيلي، يعيش الآن بعيدًا عن غزة، الوطن الذي تركه وهو على شفا الموت مع رفاقه من أطفال غزة الخدج، حيث كانوا يعالجون في مجمع الشفا الذي قصفه الجيش الإسرائيلي لينقلوا في رحلة محفوفة بالمخاطر والآلام، وتستقبلهم مصر لعلاجهم في مستشفى العاصمة الإدارية بالقاهرة". 
بقلم: رندا أبو العزم مديرة مكتب قناة العربية والحدث في القاهرة
رقم الإصدار نوفمبر 2024
شارك
  • تم نسخ الرابط

قصة أطفال غزة الخدج تابعها العالم منذ قصْف مستشفى الشفا وانقطاع الكهرباء عن الحضانات، إلا أن متابعتنا لهذه القصة كانت مختلفة، لأنها لم تتوقف بعد وصولهم إلى مصر، بل امتدَّت على مدار عام كامل، وما زلت أتابع الأطفال وأتابع مصطفى.
عشت القصة بكل تفاصيلها المؤلمة، وحاولت من خلال "حلقة على الأرض" التي أذيعت على قناة العربية في إبريل الماضي أن أنقل كل التفاصيل التي مرَّ ويمرُّ بها هؤلاء الأطفال آنذاك، فمنهم من نجا وتعافى والتأم شمله بأمه، وكان من بينهم ثمانية أطفال لم نعرف مصير أهلهم إن كانوا على قيد الحياة، من بين هؤلاء الثمانية كان ابن حليمة عبد ربه، هذا الطفل الذي تابعته منذ أن كان في غزة، ثم التقيته في ديسمبر 2023 وهو على شفا الموت داخل الحضانة في مستشفى العاصمة الإدارية الجديدة التي نقل إليها مع الحالات الحرجة من أطفال غزة الخدج، حيث كان يعاني من جفاف وميكروب في الدم، فضلًا عن فقدان عينه، لا يحمل إلا اسم أمه على سوار مثبت حول معصمه الصغير.


تابعت حالة ابن حليمة مع الأطباء الذين أحاطوه هو وباقي الأطفال برعاية صحية فائقة بعد خروجهم جميعًا من الحضانات وبعد أن تعافوا، وعندما التقيته في المستشفى في مارس من العام الحالي خطف قلبي بابتسامته وضحكته التي لم تفارقه، احتضنته، ولم أنم لأيام وأنا أحاول الوصول إلى أهله، تواصلت مع السفارة الفلسطينية والمستشفى، لم أجد أي معلومة.
ظللت أبحث وأسأل وأتواصل مع بعض الأمهات من اللاتي وصلن من غزة ليرافقن أطفالهن إلى أن توصلت إلى رقم أحد المسعفين الفلسطينيين، وبدوره أخبرني أنهم توصلوا إلى جدة مصطفى والدة حليمة عبد ربّه، أعطاني رقمها في غزة، وبالطبع واجهت صعوبة كبيرة في أن أتواصل معها بسبب عدم وجود شبكة.
كنا في شهر رمضان عندما أرسلت إليها أول رسالة، انتظرت طوال الليل لأتلقى منها ردًّا بأنها جدة الطفل الذي لم يكن يحمل سوى اسم أمه، وتبادلنا الرسائل المؤثرة، حكت فيها كيف ومتى أصيب حفيدها بعد ثمانية أيام من مولده، لم يكن لديهم مياه فظل حاملًا اسم أمه على معصمه عندما قصفه الجيش الإسرائيلي ليطير نائمًا في مهده ويقع على سطح مبنى مجاور، حيث وجده المسعفون مصابًا فاقدًا عينه، فيما أصيبت أمه إصابة بالغة وفقد أحد أخويه، نقل الطفل إلى مستشفى الشفا، وتركته جدته لتسعف ابنتها، انتقلت أمه وأخوه إلى مبنى آخر، في هذه الأثناء بدأ القصف الإسرائيلي على مجمع الشفا حيث يعالج ابن حليمة وباقي الأطفال الخدج فينقل إلى مصر عبر معبر رفح. المفارقة أو المأساة أن اللحظة التي كان يصل فيها مصطفى إلى مصر فقد والدته وأخاه في قصف إسرائيلي آخر للمبنى الذي نقلا إليه.


أرسلت لآمنة عبد ربّة صور الطفل الذي لم تكن تعرف مصيره إلا قبل أيام قليلة من تواصلنا معًا. طلبت مني مساعدتها لتدخل مصر وترافق حفيدها. تواصلت مع السلطات المصرية ورويت لهم القصة وأن الجدة لا تحمل جواز سفر، بل هوية، استجابت السلطات فورًا.


على مدى يومين تابعت قوائم عبور الفلسطينيين إلى أن وجدت اسم آمنة عبد ربه جدة الطفل على القوائم المدرجة لدخول معبر رفح إلى الجانب المصري. كانت الساعة الحادية عشرة مساءً، وكان عليَّ إبلاغ آمنة بضرورة التوجه إلى المعبر السابعة صباحًا، كانت في أحد المخيمات في رفح، لكن واجهتني مشكلة صعوبة الاتصال بسبب عدم وجود شبكة، واصلت المحاولات مع أكثر من شخص إلى أن توصلت إلى أحد أقاربها، أبلغته بضرورة تواجدها في المعبر في الوقت المحدد، ونجحت في التواصل مع زميلي في غزة ليتابع لحظة دخولها من غزة إلى مصر، في هذه الأثناء قمت بترتيبات لانتظارها على الجانب المصري في رفح، عندما وصلت كان موعد أذان المغرب قد اقترب، انتظرنا للإفطار، بكت آمنة بكاءً شديدًا على مائدة الإفطار، قائلة أهلي في غزة لا يجدون الطعام. تركنا العريش لتصل إلى القاهرة فجرًا.


اصطحبت آمنة إلى العاصمة الإدارية الجديدة لترى حفيدها لأول مرة، أخبرتني في الطريق أن والدته كانت ترغب في تسميته مصطفى.
لقاء آمنة بحفيدها أبكى الجميع، الأطباء والتمريض، وأبكتني أنا وزملائي المصورين.


اجتمعت أخيرًا آمنة بحفيدها الذي بقي في المستشفى لعمل سلسلة من العمليات الجراحية، من بينها تثبيت عين صناعية لا بد من تغييرها كل سنة على الأقل.
بعد أن أذيعت الحلقة بقيت على تواصل دائم مع آمنة والأطباء لأعرف أحوال مصطفى، الذي اعتبرته معجزة من المعجزات التي رأيتها أمامي، فبرغم كل ما مر به يضحك دائمًا ويخطف قلب كل من يراه.
وبمساعدة زميلي إسلام عبد الكريم بعد مجهود كبير استخرجنا شهادة ميلاد لمصطفى وعمل جواز سفر له ولجدته آمنة.


قمنا بترجمة الحلقة إلى الإنجليزية لتصل قصة مصطفى ورفاقه إلى العالم، وتحدثت عبر أكثر من وسيلة إعلام أجنبية عن قصة هؤلاء الأطفال، التي تعكس مأساة الفلسطينيين المدنيين العزَّل في غزة، الذين سقطوا ضحايا لحرب لا ذنب لهم فيها، وما زال معظم أعداد الضحايا من النساء والأطفال تتزايد يوميًّا.


سافر مصطفى في رحلة جديدة لآلاف الأميال مع جدته في شهر يوليو الماضي مع مجموعة من المصابين إلى ماليزيا في رحلة علاج أخرى قد تستغرق شهورًا، يعود بعدها إلى مصر.
أما باقي الأطفال فقد خرجوا جميعهم من المستشفى بعد تعافيهم. مجموعة الأطفال مع أمهاتهم يقطنون في شقق تابعة لوزارة التضامن، حيث يتم توفير كافة احتياجاتهم الطبية والغذائية، والمجموعة الأخرى بدون الأهل، يرافقهم اثنان من المسعفين الفلسطينيين جاءا معهم من غزة، بلال طباسي ومحمود أبو عفانة، حيث يتواجدون في أحد دور الرعاية التابعة لوزارة التضامن، مع توفير كافة احتياجاتهم. تم التوصل إلى أهل ستة أطفال متواجدين في غزة، ولم يتبق إلا طفل واحد بدون أهل.


وما زلت أتواصل مع جدة مصطفى وأتابع أحواله وضحكاته وآلامه.
وما زلت أحلم بمستقبل أفضل لمصطفى، يعيش فيه كأي طفل، يلعب ويكبر ويتعلم وسط عائلته في وطنه.
قصة مصطفى ورفاقه تلخص مأساة جيل كامل من أطفال غزة، فقدوا الأهل والوطن، وأصيب الآلاف منهم بصدمات نفسية وإعاقات جسدية بسبب حرب ليسوا طرفًا فيها، إلا أن مأساة هؤلاء الأطفال الخدج تحمل في طياتها أملًا بعد أن تعافوا برغم كل ما مروا به من أهوال ومآسٍ على أمل أن يعودوا يومًا إلى غزة حاملين معهم مستقبلًا أفضل لدولة فلسطين.