يهتم هذا النوع من الإعلام أساسًا بكيفية استهلاك المعلومات وتفاعل الجمهور معها، فيعدِّل رسالته وفقًا لمزاج الشعب، سواء من حيث الأولوية أو الطريقة والأسلوب، ويذهب غالبًا إلى التضليل وتجاهل الحقائق الكاملة.
للإعلام الشعبوي أجندة، حاله كحال أي نمط آخر للإعلام، لكن خطورته تكمن في أنه مع مرور الزمن يصبح قادرًا على التسلل إلى الرأي العام المجتمعي. وتدريجيًّا يلوِّن لنا الإعلامُ الشعبوي المزاجَ المجتمعي العام، ويؤطِّرُ لنا مستقبل البلاد من خلال دعمه لما يُسمى "النخب الشعبوية"، ومساعدته لها في النظر إلى المتلقي كمستهلك فقط لا غير، ويلغي دور الأفراد في التفكير وطرح الأسئلة، ويَنتُج عن كل هذا انحدارٌ مطلقٌ إلى ما يسميه الكاتب "آلان دونو" عصر التفاهة.
ولترويج الانقسام في المجتمع، يعتمد الإعلام الشعبوي على فكرة التعصب، ويلجأ إلى خطاب الأديان، فأصبحنا نرى إعلامًا إسلاميًّا وإعلامًّا يمينيًا متطرفًا وإعلامًا عنصريًّا وجميع هذه الأنواع تزرع الكراهية بين فئات المجتمع، وهكذا يا سادة يحصد الإعلام الشعبوي المكاسب ويضعف قدرة الأفراد على فهم القضايا بموضوعية وتوازن.
في الماضي، كان الإعلام الشعبوي محدودَ الانتشار بسبب محدودية وسائله، لكن اليوم تمتلك جميع التيارات المتعصبة أدواتٍ ووسائلَ قادرةً -بمرور الزمن- على شحن عقول المتلقين عن طريق تبنِّي الأفكار الدينية والعنصرية والترويج السياسي والصراع الحزبي.
تركز الماكينة الإعلامية الشعبوية ليل نهار على سحق الآخر و"محقه"، وساعدها في ذلك الصراعات المشتعلة في منطقتنا. فما كان منها إلا التحول إلى استراتيجية تقديم "الخيال" الديني والعقائدي الذي يسهِّل السيطرة على بعض العقول. يحدث ذلك في منطقتنا منذ عام 1948، وفي كل مرة كانت شعوبنا العربية تصحو من هذا الخيال على واقع مهزوم ومليء بالمآسي.
منذ عقود طويلة دأبت وسائل إعلام على تسخير كل محتواها من الصور والتعليقات والتحليلات لخدمة انحيازها ورسالتها المؤدلجة، حتى عندما ينتهي الخبر ينكشف ما اكتشفه جمهور أحمد سعيد في ستينيات القرن الماضي.. رغم أن القادة "المنحجرين" الذين يعولون على "غفران" الناس للكذب المنظم لم يعد لهم وجود.
وفي الحقيقة فإنَّ الانحياز في الإعلام ليس شرًّا مطلقًا، فكبريات الصحف الأمريكية مثل نيويورك تايمز، أعلنت رسميًّا انحيازها لكامالا هاريس، ويمكن لأي وسيلة إعلام عربية أن تعلن كذلك انحيازها لهذا الطرف أو ذاك. لكن عليها حينها أن تعترف أن هناك فرقًا بين المهنية والموضوعية وبين الصحافة والنشاط النضالي.
وفي مواجهة الشعبوية المتزايدة في المشهد الإعلامي العربي.. استطاعت قناة "العربية" ومنصاتها النأي بنفسها عن هذا الاتجاه، ويمكن القول إنّه لو لم يكن محتوى "العربية" موجودًا لاستمر العرب هذه الأيام في الاعتقاد بأنَّ مقاتلي حزب الله مثلًا بصدد "سبي" النساء الإسرائيليات داخل تل أبيب نفسها.
كانت «العربية» الأقرب إلى الدقة والحقيقة والأمانة، أخبرت المشاهد بما يحدث فعلًا على الأرض، وقدمت له آراء الناس المتأثرين بما يحصل، والذين يعانون من تبعات أزمات المنطقة، وصوَّرت وضع هؤلاء كما هو دون تسييس أو أدلجة.
وكان ذلك واضحًا في رسائل "صوت الإنسان" الإعلامية اليومية التي أطلقتها العربية من غزة ولبنان والسودان.
وفي استديوهاتها، ناقشت العربية كل الآراء من جميع الاتجاهات.. وضعت المختلفين والمتناقضين على طاولةٍ واحدة.. فأعطت "ما لزيد لزيد وما لعمرو لعمرو".
كما حرصت القناة على تقديم خلفيات تاريخية وسياسية واقتصادية لأي قضية، ما سمح للمشاهد بفهم الصورة الشاملة وأتاح له اتخاذ موقف موضوعي وواعٍ، حتى لو كان الثمن أن تكون هدفًا للمتحزبين أو الطائفيين.
لكن الرهان اليوم يبقى على الجمهور الباحث عن الحقيقة، والمتعطش للمحتوى الثري الذي يتمتع بقدر عالٍ من المصداقية، لأنَّ الفارق بين الإعلام بالخبر والإعلام الرغائبي أن الأول قد يزعج، لكنه يحترم المشاهد ويمنحه درع الوقاية من الصدمات.
أما الثاني، فيمنحه النشوة الكاذبة، أو ينمِّي الحلم الذي يتحول في نهاية الخبر وغفلة اللحظة إلى كابوس.