مراسلة «العربية» و«الحدث» ناهد يوسف كان لها دور متميز في تغطية الحدث من الخطوط الأمامية للمعارك الدائرة رحاها في جنوب لبنان، سألناها عن بداية علاقتها مع المؤسسة فقالت: «التحقت بـ"العربية" في 28 نوفمبر من العام 2019، خلال الثورة اللبنانية.. في هذا اليوم أحسست أن حلم مقاعد الدراسة تحقق، بأن أكون يومًا فردًا من عائلة هذه المؤسسة، التي منذ افتتاحها وأنا أشاهدها بمتعة زادت شغفي بالمهنة». وتضيف: «أحداث عديدة ومتسارعة واكبتها بتغطية ميدانية لا تتوقف منذ انضمامي إلى "العربية"، بدأت بالثورة اللبنانية وما لحقها من تبعات اقتصادية وسياسية، بعدها جاء وباء كورونا الذي غير شكل التغطيات الميدانية بحذر وبخوف.. لتتلاحق بعدها التغطيات التي تركت أثرًا لن يمحى، أبرزها انفجار مرفأ بيروت.. تغطية ثالث أقوى انفجار في العالم لم يكن سهلًا مع الأوجاع النفسية التي تركت آثارها، مع تغطية قصص أهالي الضحايا، والضغط على مشاعرنا مع رؤية مدينتنا التي نعشق، بصورة مدمرة.. توالت بعدها أحداث أمنية متقطعة، إلى أن اندلعت الحرب في بلادنا.. بدأت محدودة في جنوب لبنان، لتزداد وتيرتها مع مرور الأشهر حتى الوصول إلى حرب شاملة، لم تدمر فقط بلادنا، بل الكثير من الآمال ببلد مستقر نتمناه منذ أن وُلدنا على هذه الأرض الجميلة.. تغطية هذه الحرب، غيَّر الكثير والكثير في كل شيء».
وبخصوص يوميات العمل في مواجهة نار الحرب ودخان المعارك ووجع الروح والقلب على جراحات الوطن المستباح، قالت: «يوميات هذه التغطية، قد تكون أكثر التفاصيل المتناقضة.. بين الخوف أحيانًا من مجهول بانتظارنا، وبرودة مشاعر الخوف مع التأقلم على أصوات الصواريخ والمدفعية ورائحة البارود، تأقلم غير صحي من المبكر أن نعرف طريق الخروج من أسره، وبين لحظات جميلة فيها الكثير والكثير من الضحك مع زملاء أصبحوا عائلة، وأصحاب فندق فتحوا لنا ولكاميراتنا وأصواتنا بابه منذ عام بكل حب، فيه نصنع ذكريات سترافقنا مدى الحياة.. بين انتظار الصورة والخبر، يمضي وقت نبحث فيه عن حياتنا ما قبل الحرب في دردشاتنا اليومية، نجد نافذة للضحك، وللتأمل، قبل أن تقطعه غارة من هنا، ورشقة صاروخية من هناك، تعيدنا إلى واقع حرب تستنزف أحلامنا منذ عام».
استهداف مباشر بصاروخين
تصف ناهد المشاعر التي تختلج بصدر المراسل على خط النار فتقول إنها «تختلف بين شخص وآخر، وقدرة تأقلمه وسيطرته على المخاوف. الأكيد أن أول شعور يحسه ويفكر به ويسأله لنفسه، هل سأبقى على قيد الحياة؟ وهل قد يكون هذا آخر يوم أعيشه؟ التسليم بقضاء الله وحده ما يمكِّن المراسل من السيطرة على مشاعره وكبت هذه الأسئلة.. أما لمن يعشق هذه المهنة، فالشغف يرفع الأدرينالين لديه ويدفعه إلى المخاطرة أحيانًا، لينتج أفضل وأقوى المواد» وتتابع: «كثيرة هي المواقف التي لن أنساها في هذه التغطية، تبدأ بتعرضنا لاستهداف مباشر بصاروخين استهدفتنا بهما مسيرة إسرائيلية في بلدة يارون الحدودية، يومها وحدها العناية الإلهية من حمتْنا، لتتوالى بعدها اللحظات والمشاهد التي ستبقى عالقة في الأذهان، من مشاهد المقاتلات الحربية فوقنا تمامًا، إلى رؤية الصواريخ عن قرب التي باتت رؤيتها عادية لأعيننا، إلى المعارك الحية بين حزب الله وإسرائيل أمامنا مباشرة، اشتباكات بالأسلحة الصاروخية والمدفعية والرشاشة، ومروحيات تحلق لنقل الإصابات في صفوف الإسرائيليين، كأنها مشاهد فيلم سينمائي نشاهده بالعين المجردة.. والكثير الكثير من اللحظات المطبوعة في الذاكرة، والتي لا تنتهي بمشهد دخول دبابات الإسرائيليين إلى البلدات الحدودية وما حملته من مشاعر صادمة لرؤيتها».
تؤكد ناهد يوسف «أن أي مراسل يتجه إلى خطوط النار عليه أن يخضع لدورات تتعلق بالحماية والسلامة، دورات الإسعافات الأولية، وكل ما يتعلق بالأمور العسكرية، فكلها عناصر تساعد في تقييمه لكل خطوة يقوم بها، وكل طريق يسلكه، وكل قرار يتخذه والذي يؤثر عليه وعلى فريق العمل. غياب هذه الدورات وهذه المعرفة قد يؤثر سلبًا على كامل الفريق». معتبرة أن «أصعب امتحان يقع فيه المراسل بشكل عام، هو السيطرة على مشاعره الخاصة في لحظات صعبة ومؤلمة، وما أكثرها في تغطية الحروب. مقتل المدنيين، وخصوصًا الأطفال منهم، دمار مناطق اعتدنا السير فيها ولنا في تفاصيلها ذكريات جميلة، نعْي زملاء وأصدقاء لنا على الهواء، تشكل عاملًا ضاغطًا على كل حرف ننطق به، نحاول حبس الدموع، متناسين أننا في النهاية، خلف درعنا وخوذتنا، لنا مشاعر إنسانية، ليست عيبًا، ولا انتقاصًا في مهنتنا ومهنيتنا».
الوقوف على فوهة بركان
بعد أكثر من عام قضتْها على خطوط النار، تقول ناهد يوسف: «تغير الكثير في شخصيتي.. تفكيري تغير، أولوياتي تغيرت، يمكنني القول بكل صراحة، إنني ازددت صلابة، اكتسبت قوة وشجاعة لم أكن أعتقد أنني أمتلكها، أو أقله ليس بهذا القدر من الجرأة على الوقوف تحت صواريخ متبادلة من دون خوف، وعلى حدود تشهد أعنف المعارك، لا نعرف كيف ستكون نتيجتها، على فوهة بركان لا نعرف إن كانت ستبتلعنا أم سننجو منها.. الكثير تغير في شخصيتي في تغطية هذه الحرب.. وزادت في سيرتي المهنية الكثير، من دون أن أسعى لذلك.. أحيانًا المواقف التي نضطر إلى التعامل معها، إما أن نفكر فيها بعقلنا فتدفعنا إلى التراجع، أو نختار شغفنا ومحبتنا للمهنة، فنسأل عن المزيد.. والمزيد هو ما اخترته.. إلا أن الإدمان على هذه المهنة، مع كل حلاوتها، يُفقد رونق أمور كنا نفرح بها في حياتنا الخاصة، ما قبل هذه التجربة والمعرفة الغنية والمدمرة لبساطة الحياة، أعرف أنها لن تغادر نفوسنا، وستترك ندوبًا سندَّعي مستقبلًا أنها غير موجودة.
ومع كل التأثيرات السلبية والإيجابية لهذه التغطية، يبقى الإحساس الموجع، البعد عن العائلة، عن أب وأم تعرف سلفًا أنهما يعيشان رعب فقدانك في كل لحظة.. نشعر أحيانًا أننا أنانيون، لأننا فضَّلنا في لحظة معينة أن نتبع شغف المهنة على البقاء في دفء العائلة، رغم معرفتنا بفخرهم المطلق بنا.. وقد يكون السعي أكثر إلى النجاح فيما نقوم به، هو طريقتنا للاعتذار منهم.. أقول لعائلتي، لوالديَّ، أبو نزار وأم نزار، لإخوتي وأصدقائي، سامحوني على خوفكم الدائم عليَّ، وإن شاء الله نلتقي قريبا».