شاشة "العربية" في شهر أكتوبر عام 2020 قررت أن تستكشف هذا الإقليم الذي أعلن استقلاله عام 1991 عن الصومال، ويتصرف كدولة مستقلة فعلية، لكنه غير معترف به دوليًّا.
توجهنا إلى مطار دبي في الحادي عشر من أكتوبر، وكان العالم يرزح تحت جائحة كورونا، بعد أن حصلنا على التأشيرات وأجرينا فحص كوفيد.
الوجهة الأولى كانت إثيوبيا، وبعدها استقللنا طيرانًا بدائيًّا أشبه بالمروحية، ولا أستطيع وصف شعوري بالخوف وأنا التي أخاف من الطيران بشكل عام. وصلنا إلى المطار، ومن ثم استقللنا سيارة وعبرنا طريقًا معظمها غير معبدة إلى الفندق في هيرجيسيا عاصمة صوماليلاند، وهو عبارة عن مجمع تجاري فيه بعض الغرف للنزلاء، ولكن هو أبعد ما يكون عن أن يشبه الفندق المتعارف عليه.
من هناك بدأت هذه التجربة الفريدة من نوعها. الزميل الهادي الحناشي أبلغني أن المقابلة الأولى ستكون مع إدنا عدنان إسماعيل، وهي سياسية ورائدة في المجال الصحي والاجتماعي.
إدنا إسماعيل ولدت في هرجيسيا، تنتمي إلى أسرة علمية وثقافية، فوالدها طبيب بارز، درست التمريض في المملكة المتحدة، وهي أول فتاة صومالية تدرس في بريطانيا، والأولى المؤهلة كممرضة، وأول من يمكنها القيادة، تزوجت من السيد محمد حاجي إبراهيم عقال رئيس وزراء الصومال 1967-1969م، وعادت إلى الصومال لتؤسس مستشفى إدنا عدنان للأمومة، كما عملت في منظمة الصحة العالمية مستشار التمريض الإقليمي خلال الفترة من عام 1987 إلى عام 1991، ثم مستشارًا للشؤون الفنية الإقليمية لصحة الأم والطفل، والمسؤولة عن القضايا المتعلقة بالممارسات التقليدية الضارة التي تؤثر على صحة النساء والأطفال، بعد ذلك كانت ممثلة منظمة الصحة العالمية في جيبوتي بين عامي 1991 و1997م، كما شغلت منصب وزيرة رعاية الأسرة والتنمية الاجتماعية.
تقديرًا لمساهمتها في العمل الإنساني، أضيف اسم إدنا عدنان إسماعيل للقاعة الطبية للمشاهير في جامعة توليدو أوهايو، في 2007، كما حصلت على الدكتوراه الفخرية من جامعة كلارك في ماساتشوستس والزمالة الفخرية في مدرسة التمريض بجامعة كارديف. كانت مقابلة مميزة، فشخصية إدنا عدنان تلهم كل امرأة طموح تحاول وتسهم في تغيير واقع النساء في مجتمعها.
أهدتني كتابها «A women of firsts» وهو يتميز بمقالات تتناول قضايا النساء وحقوقهن وأدوارهن في المجتمع. كما أن أسلوبه عميق ويعكس رؤية إدنا عدنان لأهمية دعم النساء ومنحهن الأولوية. يقدم الكتاب قصصًا وأمثلة من الواقع، ويستند إلى تجارب شخصية، ما يجعله وثيق الصلة بواقع المرأة، كما يعرض الكتاب القضايا بجرأة، ويحث على التفكير في كيفية دعم المرأة وتمكينها في مختلف مجالات الحياة.
أجرينا أيضًا مقابلات مع صناع القرار في الإقليم من وزراء ورئيس المجلس النيابي، وتعرفنا إلى مميزات ومقدرات صوماليلاند، كما زرنا ميناء بربرة الذي شكل بؤرة توتر بين الصومال وإثيوبيا وبعث القلق للجيران.
أتحدث عن هذه التجربة لأنني تعرفت على أرض كانت مجهولة بالنسبة إليَّ وإلى الكثيرين من الناس، ولكن لفتني فيها خلوُّها تقريبًا من النقود، فالناس تعتمد على خدمات التحويلات المالية عبر الهاتف المحمول، لأنها أسهل بمراحل من الدفع نقدًا.
ويرجع عزوف سكان أرض الصومال عن النقود إلى أسباب عديدة، منها أن قيمة الشلن، العملة الرسمية في جمهورية أرض الصومال كانت آخذة في الانخفاض بوتيرة متسارعة. وبعد رواج أنظمة الدفع عبر الهاتف، زاد عزوف الناس تدريجيًّا عن النقود، بدءًا من أصحاب المتاجر في مدينة هرجيسيا إلى البائعين الجالسين أمام أقفاص قديمة في الشوارع غير المعبدة بالمناطق القروية شرقي أرض الصومال.
لفتني كذلك أن الكهرباء مؤمنة والإنترنت يعمل بشكل جيد في العاصمة هرجيسيا على الرغم من الأوضاع الاقتصادية السيئة، فهذا الإقليم يعتمد على أموال المغتربين بسبب غياب المساعدات الدولية، لأنه غير معترف به في العالم. عندما زرنا منطقة في الريف فقدنا شبكة الإنترنت بشكل كامل، ولكن تمتعنا بالحقول المزروعة، وقطفنا التين، وتذوقنا طعم العسل الشهي، وشاهدنا مغيب الشمس، الذي شكل لوحة لا تستطيع ريشة أي فنان أن تحاكيها.
وقد استغرقنا وقتًا طويلًا للعودة إلى العاصمة.. قضينا أكثر من ثلاث ساعات، سلكنا فيها طرقات معظمها غير معبَّدة والقليل منها زارها الإسفلت بخجل.