يؤكد الزميل إبراهيم فتفت مراسل «العربية» و«الحدث» من الخطوط الأمامية للمواجهة في لبنان، أن هذه أول تجربة له من هذا النوع. ويستطرد: «شاركت سابقًا في تغطية أحداث عنف واشتباكات مسلحة بين حزب الله وفصائل ومعارضين له في بيروت. كذلك أحداث عام 2019 عقب الاحتجاجات الشعبية في لبنان وبعدها انفجار مرفـأ بيروت ثم انفجار التليل بعكار. جميعها تجارب لم تكن سهلة، وفرتها لي ظروف لبنان الخصبة لكل أنواع النزاعات والتوتر. لكن ما يميز هذه التغطية هو استحالة معرفة مصدر الخطر. فطرفا النزاع، أي حزب الله وإسرائيل، لا يرغبان في تواجدنا كصحفيين ننقل أحداث الحرب بمهنية دون أي تحوير.
شاركت في التغطية منذ السابع من أكتوبر 2023، لكن من الاستديو وغرفة الأخبار بصحبة الزميلات والزملاء في دبي والرياض. وفي سبتمبر الماضي سافرت إلى لبنان لحضور حفل زفاف صديقي المقرب في طرابلس. لكن تسارع الأحداث وتوسع الحرب غيَّرا وجهتي من طرابلس إلى بيروت في ذات الليلة للانضمام إلى الزملاء في التغطية الميدانية».
وعن تقييمه للتجربة يقول: «مهنيًّا أكتسب كل يوم مهارة جديدة. وفرصة تغطية الحرب في شبكتي "العربية" و"الحدث" بمنزلة حلم لأي صحفي عربي طامح إلى النجاح في مجاله. فالمؤسسة التي توفر جميع الظروف الضرورية لنجاح التغطية وتضع سلامة طاقمها قبل أي اعتبار، لا يمكن سوى مبادلتها بنفس الاهتمام والسعي إلى تأدية كل ما يتطلبه نجاح هذه التغطية». يضيف: «لقد وضعتني هذه التجربة بموقع مسؤولية كبير جدًّا. نظرًا إلى حجم جمهور القناة التي أوفدتني باسمها لتغطية الحرب. فالجمهور الذي عودته "العربية" و"الحدث" على الوصول إلى المعلومة والصورة من أقرب مكان لها مع صدقية حتمية لا لبس فيها، بحاجة دائمًا إلى أن يعرف أكثر».
مهمة يجب أن أؤديها
وأما عن المشاعر التي عادة ما تعتمل في نفوس الموفدين والمراسلين العاملين من خطوط النار، فيحاول الزميل إبراهيم تفسيرها: «أول ما يطرأ على تفكير الموفد فرضية واحدة: مؤسستي اختارتني لمهمة ويجب أن أؤديها. جعْل هذه الفرضية قاعدة للموفد من القناة إلى الميدان يكون بداية مسار التغطية. فلكي تنجح المهمة يجب أن يعرف الصحفي هدف تواجده في الميدان وأهمية اختياره لهذه المهمة. هذا التفكير يولِّد مشاعر الثقة بالنفس المطلوبة قبل أي مشاعر أخرى لتأدية العمل بأفضل صورة. خصوصًا أن تغطية الحرب تتطلب صمودًا وثقة وعزيمة لكثرة المشاهد والأصوات المرعبة التي ترافق الموفد أو المراسل طيلة التغطية». يردف: «هذا مهنيًّا. أما إنسانيًّا فبالنسبة إليَّ الأمور نسبية وتحتاج إلى شرح طويل».
حتى لا يصبح المراسل طرفًا في النزاع
سألناه عن أكثر موقف تعرض له خلال عمله الميداني في مناطق الحروب لا يمكن أن ينساه، فأجاب: «في السابق كان تعرضي للاعتداء بالضرب المبرح من عناصر أمنية خلال تغطية الاحتجاجات الشعبية في عام 2020، لكن في هذه التغطية خبر استهداف مقر للصحفيين في جنوب لبنان ما زال يدب بي القلق خشية فقدان أحد الزملاء خلال التغطية. قد نكون تعودنا على المآسي، لكن أدعو الله دائما ألا يمتحنني بألم الفقد».
وحول ما إذا كان المراسل الحربي يحتاج إلى تدريب خاص قبل الاتجاه إلى ساحات المواجهة، أكد الزميل فتفت أن المراسل يحمل مسؤولية كبيرة جدًّا وفي تغطية النزاعات أكثر خطرًا من أي تغطية أخرى. حيث على قدر ما يحتاج الصحفي إلى الدقة والمهنية في عمله، يحتاج إلى أضعاف خلال تغطية الحروب. فأي خبر فيه شك أو شبهة قد يؤدي إلى كارثة غير متوقعة، مشيرًا إلى أن المراسل الحربي يجب أن يحرص على دوره في تغطية النزاع كي لا يصبح طرفًا فيه. كما أن مسؤولية حماية نفسه والفريق والطاقم تقع عليه بالدرجة الأولى. لذلك يجب أن يكون مؤهلًا لهذه المسؤولية.
يتابع الزميل إبراهيم: «تدربت في السابق على تغطية النزاعات وأساليب التحري عن الخبر والحصول عليه في الميدان. إضافة إلى سبل الحماية الشخصية وتفادي الضرر وبعض التدريبات فيما يتعلق بالإسعافات الأولية لجهة التعامل مع حالات الطوارئ».
وبخصوص الاحتياطات التي يحتاج إليها المراسل الحربي لضمان سلامته، يرى: «بالدرجة الأولى معدات الوقاية الشخصية كالدرع والخوذة. إضافة إلى وسائل اتصال بديلة في حال انقطعت الوسائل المتوفرة. وتأمين وسائل نقل ملائمة لجغرافية المكان».
الميدان مصنع الصحفيين
سألنا الزميل إبراهيم: كيف يوفق الصحفي الميداني بين الوضع الإنساني والمهني خلال تغطية أخبار الحروب، فكان رده: «يجب ألا ينسى الصحفي أنه إنسان في نهاية المطاف. لكن يجب الأخذ بعين الاعتبار أن التغطيات تتطلب فصل المشاعر عن العمل لنقل الخبر دون أي تحوير. وهناك أساليب عدة يمكن للصحفي استغلالها لنقل الواقع الإنساني دون مشاركة مشاعره. فنحن بشكل متواصل ننقل معاناة النازحين مثلًا كما ننقل مجريات الحرب. إضافة إلى عديد التقارير من مختلف المناطق التي نعدها ونعرضها بهدف نقل الصورة كما هي».
وحول طريقة الموازنة بين مشاعره الخاصة كمواطن يتعرض بلده للحرب وبين مهنيته كصحفي يسعى إلى تقديم الخبر بشكل مهني والمعلومات بشكل دقيق، أوضح «هذه مهمة صعبة للغاية. لكن، أبذل جهدًا دائمًا لأحرص على الموضوعية بنقل الأخبار. كما أن نقل الصورة دون مزجها بالمشاعر سيخدم الخبر وصدقيته. وأنا مقتنع تمامًا بأن الخبر الممزوج بالمشاعر يصل إلى فئة أقل من الجمهور. فالمشاهد يريد أن يعرف الحقيقة، وليس كيف يتعامل المراسل معها»، مؤكدًا «كما قلت هي مهمة صعبة، وعلى المراسل أن يحرص على نقل الخبر لا المشاركة في صنعه».
سألناه: ماذا أضافت تجربة العمل على خطوط النار إلى تجربتك المهنية وإلى شخصيتك؟
فأجاب: «بالتأكيد نزداد صلابة وثقة بالنفس خلال التغطية، رغم حجم المعاناة التي نشاهدها. لكن الفصل بين المشاعر والعمل يقوِّي الشخصية ولا يضعفها. أما من جهة التجربة الميدانية، فالميدان هو مصنع الصحفيين. من ينجح بالميدان ينجح بغيره. هذه قاعدتي الآن. لذلك أحرص على النجاح واستغلال الفرصة التي منحتني إياها مؤسستي».
وفيما يتصل بتأثيرات تغطيته الصحفية المباشرة من مناطق التوتر وساحات المواجهة على حياته الخاصة، ومدى تأثير عمله في هذه الظروف على أسرته وأصدقائه؟ قال: «لا تتوقف الرسائل والاتصالات عند كل غارة أو هجوم، خصوصًا من العائلة. لذا أحاول أن أطمئنهم دائمًا عليَّ، فأضطر إلى الكذب أحيانًا عن مكان تواجدي مثلًا أو موعد عملي. وغالبًا ما يتفاجؤون بي مباشرة على الهواء وكنت أخبرتهم أنني نائم مثلًا أو في المكتب بمكان آمن وبعيد. أحرص على عدم زرع الخوف لدى عائلتي، لكنها مهمة مستحيلة».