الشعوذة الصحفية
الشعوذة الصحفية
في مقال سابق بعنوان «هل يهزم الذكاء الاصطناعي الصحفيين؟»، أشرت إلى أن ذلك قد يكون مهمة شبه مستحيلة. لا يمكن أن يجسِّد الذكاء الاصطناعي جوهر العمل الصحفي. لا يمكن أن ترسله إلى ساحة الحرب، ولا يمكن أن يبني علاقة مع مصادر سرية تزوِّدك بالمعلومات، ويصعب عليه أن يلعب دور محاور شرس أمام سياسي مراوغ. لكنه بالتأكيد سيلعب دورًا حاسمًا في العمليات التقنية والآلية. سيسهِّل من القدرة على العمل اليومي الآلي ذي الطبيعة المتكررة، ويسهل عملية الإنتاج والبحث والرصد، ويخفض التكلفة ويرفع الجودة.
بقلم: ممدوح المهيني
رقم الإصدار ديسمبر 2024
شارك
  • تم نسخ الرابط

لكن هذا لا يعني أن الصحفيين ملائكة، بل إنها مثل كل مهنة أخرى تتعرض للاستغلال، ويدخل فيها المنتفعون والمشعوذون والمؤدلجون والمندفعون والباحثون عن الثراء، وتنحرف عن مسارها المهني، وتسيطر عليها الأهواء والمشاعر القوية المنحازة بدل الرؤية الواضحة. وقد شهدنا في الإعلام الغربي والعربي نماذج على مثل هذا التخبط، عندما تسبق العاطفة العقل، وتستبدل العقيدة الفكرية المتصلبة المنطق، وتحلُّ الشعبوية وهتاف الجماهير مكان المهنية والموضوعية.


من النماذج ما نراها الآن في الإعلام الأمريكي الذي يعيش هذه الأيام صدمة ما بعد انتخاب الرئيس ترامب للمرة الثانية. ولا يمكن التقليل من براعة وحرفية هذا الإعلام عبر العقود، حيث يجمع بين المهنية والجاذبية، لكنه انحرف في السنوات الأخيرة عن مساره لدرجة أن تحوَّل إلى مثار سخرية من إيلون ماسك الذي يروِّج على أن حسابه في «إكس» هو الميديا الحقيقية. و«إكس» بالطبع ليس صحافة، فهو ساحة صاخبة مفتوحة لكل الآراء الرصينة والمضطربة، لكن كلامه يكتسب مصداقية عالية بسبب النهج الخاطئ الذي سلكته وسائل الإعلام في الأعوام الأخيرة، خصوصًا منذ أن وصل دونالد ترامب إلى السلطة للمرة الأولى. مدفوعةً بالكراهية العميقة له، تنازلت هذه الصحافة عن مُثلها وقدرتها على التوازن، وهي تدفع الثمن الغالي الآن، حيث تشير الاستطلاعات إلى تراجع الثقة بها لدى المتابع الأمريكي.


استخدمت وسائل الإعلام أساليب الشعوذة الصحفية التي تعتمد على المصادر المجهولة بشكل مبالغ فيه، وتخلط الحقائق بالأكاذيب، وتخرج القصص من سياقها. لقد بدا أنها مدفوعة برغبة في الانتقام أكثر من البحث عن الحقيقة. في مثل هذه الأجواء المحمومة تحوَّل الصحفيون إلى ناشطين، وتسابقوا إلى إسقاط الرئيس ترامب وكل من يقترب منه. ولا يعني هذا أن ترامب لم يرتكب أخطاء وهفوات متكررة، إلا أنه يجب أن يعامَل صحفيًّا بعدالة، ليس من أجله، لكن من أجل المحافظة على قيمة المهنة نفسها ومبادئها. وبسبب هذا الاندفاع رأينا كيف تبنَّت وسائل إعلام عريقة وصحفيون بارعون قضية التواطؤ بين ترامب والروس، التي تحوَّلت إلى عناوين رئيسية في المحطات والصحف. وأُدِين المتهم قبل أن يقول القضاء كلمته التي انتهت بعد تحقيق روبرت مولر الذي كلف أكثر من 500 مليون دولار إلى أن الاتهامات لا تستند إلى حقائق، وأنها مجرد اتهامات كيدية. كما ظهرت قصة التقرير الذي كان خلفه كريستوفر سيل وهو جاسوس بريطاني، واعتُمدت على أنها وثيقة أصلية لا تقبل الشك، لكنها كانت مفبركة متقنة وحيلة سياسية من خصومه. حتى وسائل الإعلام التي اصطفت إلى جانب ترامب تحوَّلت إلى منصة دعائية له. وبسبب خوفها من خسارة النسبة العالية للمشاهدة التي يحققها مناصروه تبنَّت كل التفكير المؤامراتي الذي يردِّدونه، من ضمنها مؤامرة اللقاح، وجائحة «كوفيد»، وتزوير الانتخابات. تحوَّل الصحافيون إلى جوقة من المريدين والمحازبين.


وليس ترامب وحده، لكن شخصيات كثيرة تلقت المعاملة ذاتها غير العادلة من الصحافة. إيلون ماسك نفسه بسبب مواقفه السياسية والثقافية المحافظة في السنوات الأخيرة تحوَّل إلى هدف، وتعرَّض لمحاكمات أخلاقية وتضييق على منصته، واتُهم بتعاطي المخدرات بغرض تحطيم صورته. وهذا أحد أسباب غضبه من الإعلام وموقفه المعادي للمؤسسات الصحافية التي تعاملت معه بلؤم وقلة احترام. والآن مع عودة ترامب للرئاسة من جديد وبطريقة لا يمكن التشكيك فيها تواجه الصحافة أزمة مصداقية لأنها عملت جاهدة على الدفاع عن كامالا هاريس وحمايتها وإغراق خصمها في الوحل. وفي سياق هذه الحملات المكشوفة التي جعلت كاتبًا صحفيًّا مرموقًا يكتب أنه انفجر بالبكاء بعد المناظرة الأولى بين بايدن وترامب؛ خشية أن يعود الرئيس السابق بعد الأداء الباهت لبايدن، وطالبته بأن يتنحى ليترك الفرصة لنائبته لخوض سباق الرئاسة.

ومع عودة ترامب يثبت أن الاندفاع نحو الأهواء الأيديولوجية والانحيازات الشخصية يدمر العمل الصحفي ولا يترك له إلا القليل من المصداقية. وفي الإعلام العربي الوضع ليس أحسن حالًا بكل تأكيد. تستخدم أساليب الشعوذة الصحفية بطريقة سافرة، وتقدم معلومات خاطئة وكأننا لم نغادر عام 1967 الذي مثَّل ضربة قاصمة للإعلام العربي بسبب حالة الخداع والتخدير الكبير التي روَّج لها. في الإعلام الحقائق والمعلومات مقدسة، لكن يتم تجاهلها واختراع عالم موازٍ قائم على الأمنيات والعواطف. ومن الضروري فضح كل جرائم الإبادة والحروب الوحشية، لكن يجب ألا تعمل الصحافة على المتاجرة والتضحية بالمدنيين الأبرياء، وحجب أصواتهم بشكل كامل من أجل أحزاب سياسية وأيديولوجيات فكرية.

الالتزام بالقيم المهنية والمبادئ الصحفية (قدر الإمكان) هو العاصم من هذه الانهيارات التي نشعر بها تحت أقدامنا. فصل المعلومة عن الرأي والعاطفة عن الواقع هو المبدأ الذي لا يشيخ في الصحافة. اترك الحقائق تتحدث عن نفسها لأن صوتها أقوى. ضعها أمام الناس ودعهم يشكِّلوا آراءهم وانطباعاتهم الشخصية. الانصياع للصيحات الشعبية الغاضبة والاندفاع قد يعجب الجماهير، لكنها مسألة وقت حتى تنقلب عليك وتلاحقك بالحجارة بتهمة الكذب عليها وخداعها وتضليلها وبيعها حفنة من الأوهام المنمقة والأحلام السعيدة.