أصبح على الزميلة رينا أن تتابع الأحداث المتسارعة، «من مشارف الضاحية الجنوبية ومن بيروت التي تعيش على أزيز الطيران الاستطلاعي ليل نهار، نرصد وعلى مدار 24 ساعة الغارات والاستهدافات المتنقلة التي لم تسلم منها حتى المدينة». وتتابع: «إذا غابت التحذيرات والتهديدات يساورنا القلق عن الآتي، وإذا حضرت يحل القلق الأكبر.. يعززه الرصاص الطائش، يأتي هو الآخر ليذكِّرنا بأن الحياة قد تكون على حافة التفاتة أو أقل، وأن الخطر في كل مكان». مشددة على أن «هذه التجربة لا يمكن أن تمرَّ دون أثر، أثرٍ ربما لا نعرف عمقه إلا بعد حين، وهو لا يستثني أحدًا في لبنان».
تقول الزميلة رينا «منذ ذاك الوقت عشنا على حذر لحين بدأ فعليًّا التصعيد الكبير، ووجدنا أنفسنا على الخطوط الأمامية».
رائحة الموت وصور الجثث
تؤكد رينا: «قد أنسى لحظة الهلع مع كل جدار صوت، وقد أنسى أعنف غارات الضاحية وما يسبقها من أزيز طيران الاستطلاع الذي يحفر في الرأس والقلب، لكنني سأحمل معي دائمًا كل تفصيل رأيته في بلدة أيطو الشمالية التي كان يفترض أن تكون خارج كل الحسابات الإسرائيلية وبعيدة كل البعد عن حسابات الحرب الدائرة. ولا أبالغ حين أقول إنني ما زلت أشم هذه الرائحة، وهي مزيج من رائحة الموت والغازات والدخان والبارود. كما أنني لا أزال أحاول أن أطرد صور الجثث التي كانت تنتشر بين الدمار في أيطو، وتتماهى مع لون حجارة الدار التي سويت بالأرض».
تروي رينا تفاصيل تلك الحادثة الدموية: «قادني إلى أيطو يوم الغارة المجزرة، حسي الصحفي في يوم إجازتي، كنت أطفأت للتو النار تحت طنجرة الفاصوليا وأنتظر أولادي لتناول الغداء بعد انقطاع عن هذا الموعد لأيام بسبب ضرورات العمل.. وصلت بعد قليل من وقوع الغارة، مع هاتف تئن بطاريته، وبدون أية أوراق تثبت هويتي، أو تعرف بمهنتي، فهذه منطقتي، قلت إنني من «العربية» ولأول مرة دون خوف ودون حسابات.. فحزب الله يضرب طوقًا أمنيا فوريًّا بعد كل استهداف، يمنع معه دخول الصحفيين لأي وسيلة انتموا. هناك رأيت أهوال الموت عن قرب وعن كثب، التقيت شابات وشبَّان الدفاع المدني والصليب الأحمر. تبادلنا الصمت، لكن عيوننا عبرت عن حجم الألم والصدمة إزاء ما نراه». في 14 أكتوبر 2024 استهدفت غارة إسرائيلية شقة سكنية في بلدة أيطو بقضاء زغرتا شمالي لبنان، تقول رينا: «كل من كان في المنزل قضى (23 شخصًا)، لا أنسى صوت رنين الهاتف من إحدى الجثث بينما كان ينقلها الدفاع المدني مات هو، ولكن هاتفه لا يزال ينادي».
عندما تتحول الدرع والخوذة إلى لباس إلزامي
وبينما تؤكد على ضرورة التدريبات قبل الحروب كما هي ضرورة المعالجات بعدها، تبرز الزميلة رينا: «هذه التجربة أضافت إليَّ الكثير، ولكن أخذت مني أيضًا الكثير، وهذا هو العمل الصحفي بطبيعة الحال، خليط من الأدرينالين الذي لا بد أن يكون معدلًا ومعتدلًا لأن على عاتق الصحفي مسؤوليات كبيرة وطنية وإنسانية»، تضيف: «أصبحت الدرع والخوذة اللباس الرسمي الإلزامي».
تتابع حديثها عن علاقتها مع الحرب: «صرت مع الحرب أميِّز بين صوت الغارة وجدار الصوت، وبين هدير الطيران الحربي والاستطلاعي، لكنها عميقًا علمتني الحدود التي تكاد تكون غير مرئية بين أن تكون صحفيًّا وإنسانًا، وأنت هنا خاضع بشكل دائم لامتحان الحدود هذا! تؤلمك أحوال النازحين، كما يؤلمك الدمار العظيم الذي يخلف الموت في البشر والحجر، وأنت شاهد وليس في وسعك حيلة. لعل أكثر ما لمسني تعليق أحد المتابعين عندما كتب "مراسلة الحب والحرب"، هنا أحسست بضرورة أن أستمر بالبحث عن خيوط الأمل رغم الحرب، عن فسحة ضوء في عتمة المواجهات، وهي كانت محور تقارير كثيرة أنجزتها قوامها مبادرات ولفتات اجتماعية وإنسانية تبلسم بعضًا من الجراح، وتؤشر إلى أن الدنيا لم تخل بعد من خير».