الأولى تتعلق بتغطية للانتخابات الرئاسية التمهيدية في ولاية نيوهامشر الأمريكية، فبينما كنا ننتظر في الساعات الأولى من الصباح الباكر قدوم المرشح الديمقراطي للرئاسة بعد تسعين دقيقة للحديث إلى جموع الصحافة الأمريكية والعالمية في إحدى ساحات مدينة كونكورد العاصمة، قررت التوجه مع صحفي سويدي لتناول الإفطار على عجل في مقهى شعبي صغير بجانب هذه الساحة. وفعلًا دخلنا المقهى وطلبنا طبقين من البيض المقلى، وحينها لاحظت أن جميع الناس الجالسين في المقهى لا يأكلون، بل يحتسون القهوة فقط وينظرون من خلال الزجاج إلى الشارع، وبعضهم يحملون أطفالًا بأعمار مختلفة، وآخرين يجلسون صامتين يركزون أنظارهم على الجميع وعلى باب المطعم. وفجأة جاء البيض المقلي الذي كنا في انتظاره، ومعه اثنان من رجال الشرطة السرية، وطلبا مني والصحفي السويدي الخروج من المطعم، فقلت لهما إننا دفعنا ثمن هذا البيض مقدمًا وسنأكل هذه الوجبة وننصرف، لا قبل ذلك، فقالا لي إن المرشح الديمقراطي قادم بعد ثوان في زيارة "عفوية" إلى هذا المقهى والحديث إلى رواده، ويجب أن نعدهم بعدم توجيه أي أسئلة لأننا صحفيون، فقبلنا.
وفعلًا دخل المرشح الديمقراطي ومن ورائه كمٌّ من المصورين يسجلون هذا اللقاء "العفوي" بين المرشح الرئاسي وأهالي المنطقة. وقام بالجولة وصافحني والصحفي السويدي وأخذ معنا الصور بعد أخذه الصور التقليدية مع الأطفال وتقبيلهم، وهي صور استخدمتها في تقريري الإخباري لقناتي بعد ذلك. وَفَينا بعهدنا ولم نوجه إليه أي سؤال وانصرف شاكرًا معتقدًا أن جميع الموجودين في المقهى هم من أعضاء الحزب الديمقراطي أو المناصرين لحملته الانتخابية، وبالفعل فاز بترشيح الحزب الديمقراطي لكي يصبح مرشحه للرئاسة، ولكنه خسر الانتخابات الرئاسية بعد ذلك أمام المرشح الجمهوري.
والعبرة من هذه القصة، هي أن كل شيء تراه في أثناء الحملات الانتخابية الأمريكية هو مبرمج وبدقة مسبقًا، حتى تلك الجولات "العفوية" بين أهالي المنطقة.
أما القصة الثانية، فحدثت في مدينة ناشفيل عاصمة ولاية "تينيسي" عندما كنت وعدد من المراسلين العرب والصحافة العالمية، في انتخابات عام 2000، نغطي ليلة الانتخابات بين الديمقراطي آل غور، والجمهوري جورج بوش. واتضح للجميع أن النتائج لن تصدر حتى الصباح في ولاية فلوريدا، وكانت ولاية فاصلة -آنذاك- ستحدد من هو الرئيس القادم. فقررت عدم النوم والانتظار في تلك الليلة الممطرة بغزارة، وشعرت بوحدة كبيرة في مكتب وكالة رويترز، حيث غادر الغالبية العظمى من الصحفيين العرب، بعد أن أعد كل منهم تقريرين مصورين، واحدًا تقول فحواه إن آل غور قد انتصر في السباق الرئاسي، والثاني يقول إن جورج بوش هو من انتصر، وسلَّم كلٌّ منهم الشريطين إلى "بوب لاغراسا" المشرف على مكتب رويترز، بهدف إرسال واحد من الشريطين بعد ظهور النتيجة وتوجهوا إلى النوم في فنادقهم، وعاد أحدهم بالقطار إلى أسرته في واشنطن. وجاء الصباح ولا نتائج من فلوريدا، بل خرج المتظاهرون في فلوريدا وفي تينيسي يهتفون ويطالبون بإعادة الفرز، وكنت الصحفي العربي الوحيد الذي أرسل إلى قناته تقريرًا من معسكر آل غور، يبدأ بهتافات "أعيدوا الفرز" Recount ويؤكد عدم انتهاء الانتخابات في صباح الثامن من نوفمبر عام 2000. وبالفعل مرَّ بعد ذلك شهر كامل قضيناه أمام سلالم محكمة العدل العليا في فلوريدا، ثم أمام محكمة العدل الفيدرالية العليا في واشنطن، والتي صوتت في آخر الأمر بأغلبية 4-5 قضاة لصالح منح الفوز لجورج بوش بفارق 0.009% من الأصوات.
والطريف أن "بوب لاغراسا" مسؤول رويترز في ناشفيل آنذاك جاءني في الصباح الباكر للثامن من نوفمبر يحمل شريطين من كل مراسل عربي، لكي يسألني أي الشريطين يرسل إلى كل قناة، فأجبته مبتسمًا ابعث الشريطين ولن تستطيع أي قناة استخدام أي منهما. وكلما قابلت بوب لاغراسا في نيويورك، نتذكر هذه الحادثة ونبتسم.
والعبرة من هذه القصة أنه لا يمكنك كمراسل صحفي ميداني أن تستبق الأمور وتستبق الحدث قبل أن يحدث، مهما كنت ذكيًّا، فالقدر قد يسخر منك ومن ذكائك، والأهم أن هذا هو أقل ما تقتضيه منك الأمانة الصحفية، التأكد لا التكهن في الخبر.