لن يبقى شيء سوى الابتسامة
لن يبقى شيء سوى الابتسامة
إنها الخامسة صباحًا في باريس. الحرارة الخارجية بالكاد تلامس الصفر، وانتهيت من التنسيق مع زميلتي هند إبراهيم في واشنطن، حيث انتصف الليل، ومع زميلتي ندى حجازي في القاهرة، حيث القوارب على نهر النيل العظيم لم ولن تستسلم للنوم.. حلقة "صباح العربية" ستبدأ بعد قليل وشيء يشبه العاصفة سيهب بعد قليل.. لكن عندما يبث ذلك الجنريك الافتتاحي بألوانه المشرقة، لن يبقى شيء سوى الابتسامة.
بقلم: ليث بزاري
رقم الإصدار فبراير 2025
شارك
  • تم نسخ الرابط

ذلك كان وصفًا ليوم عادي في "صباح العربية"، لكن في الحقيقة، لا يوجد يوم عادي في هذا البرنامج الذي واكبته وواكبني منذ سنوات طويلة.
‏لم تكن قصصنا أيضًا في "صباح العربية" عادية على الإطلاق، ففي يوم أنت في ثلوج جبال الألب تواكب أحد أشهر طهاة العالم في صنع طبق الفوندو، وفي يوم آخر، تلاحق فوران البركان على جزيرة لا بالماس الإسبانية. في صباح تحتسي القهوة مع مونيكا بيلوتشي، وفي مساء آخر أنت على سجادة حمراء في باريس أو قرب شاطئ في جنوب إيطاليا تنتظر وصول مارتن سكورسيزي.


‏ماذا يبقى في ذهني من كل تلك اللحظات الذي خلقها التلفزيون وأدخلتها قناة العربية إلى الذاكرة الكبيرة للشعوب؟ لست أنا من يحدد، لكن الأكيد أن عبر قناة العربية وصباح العربية، أتقنَّا خلق اللحظات وعشقنا رواية القصص. بعض تلك القصص عظيمة وبعضها بسيطة، من حياة الناس، وهي الأهم.


‏على امتداد العالم.. قصص تستحق أن تنقل. عندما جلست مع أسطورة الغناء الفرنسي شارل أزنافور، أسرِّ لي أن بعضًا من أعظم لحظات حياته كانت على مسارح عربية، وعندما قابلت شاكيرا أخبرتني عن الرابط بينها وبين بلاد الأرز، بينها وبين منطقة حملتها في جيناتها قبل أن تحملها في مشاريعها الفنية.


‏لكن أبعد من قصص المشاهير، التقينا أطفالًا يلعبون في ركام الزلزال في المغرب، وتحدثنا مع شبان وشابات يعانقون الحداثة الطارئة في شوارع هافانا.
‏في شوارع بوينس آيرس، رقصنا التانغو لنتذكر أن حياتنا كلها رقصة فيها من المكابرة والأناقة والاستسلام للقدَر بقدْر ما فيها من الجمال والحب.. تمامًا مثل التانغو.

لكن التانغو قادنا إلى أماكن غير متوقعة تمامًا.. إلى حاملة الطائرات آيزنهاور مثلًا، حيث تتناغم الطائرات المقاتلة في رقصة من الحرب والسلام، أو إلى حدود بولندا وأوكرانيا حيث يتدفق لاجئو أوكرانيا بحثًا عن الأمان.. ذلك الأمان بدا ثمينًا ونادرًا.. لا بل غير مضمون عندما لاحقنا فيروس كورونا من بحر اليابان إلى شوارع إسبانيا.

قادنا التانغو أيضًا إلى غضب الصناديق، حيث تواجه الديموقراطيون والجمهوريون بالأفكار والقناعات على أرض تكساس، وبالوقائع الاقتصادية على أرض فلوريدا، لكن لا شيء يفوق غضب الطبيعة حيث أجبرتنا العاصفة زيتا على المبيت في السيارة.. سنتذكر أيضا عاصفة الجماهير السعودية والمغربية في كأس العالم في قطر.. لأن بعض العواصف رياحها الفرح.

‏ماذا يبقى في الذاكرة من كل تلك اللحظات التلفزيونية، يبقى خصوصًا ذلك الشعور بأننا كنَّا حيث يجب أن نكون. برنامج "صباح العربية" ليس مجرد برنامج صباحي عادي، وإنما هو أيقونة صباحية على امتداد العالم العربي.


‏حديث العالم في كل صباح، لحظة يومية نشترك فيها نحن العشرات من الذين يظهرون على الشاشة والذين يعملون على امتداد الليل والنهار، لأن العمل متعة، ولأن الصحافة ضرورة مستمرة، ولأن الحروب والأخبار السياسية لا تختصر الصورة الكاملة، بل لأن الجمال والحب هو ما يلمس قلوب الناس في كل مكان.