سلطان المرواني: انتظروني في «معالم من مكة المكرمة»
سلطان المرواني:
انتظروني في «معالم من مكة المكرمة»
بعد النجاح الكبير الذي حققته سلسلة "معالم من المدينة المنورة" في رمضان الماضي، يأخذنا الزميل سلطان المرواني خلال رمضان القادم إلى "معالم من مكة المكرمة" من خلال حلقات تتميز بدقة المعلومة وروحية الاستكشاف والبحث في تاريخ المواقع واستنطاق المعالم والآثار، في مزج بين الغذاء الروحي والثقافي، والسرد التاريخي والحضاري. يعتبر المرواني من أبرز وأنجح صانعي المحتوي في المملكة العربية السعودية والوطن العربي، بدأ السفر كهواية، قبل أن يصبح تجربته الحياتية الثرية والمتميزة التي ربطت الصلة بينه وبين ملايين المتابعين، وهو اليوم مقدم برنامج «معالم» على شاشة «العربية» معه التقينا فكان الحوار الخاطف التالي:
رقم الإصدار فبراير 2025
شارك
  • تم نسخ الرابط

  • ما جديد «معالم» لرمضان القادم؟

يجرى العمل حاليًا على تصوير «معالم» من مكة المكرمة على غرار معالم من المدينة المنورة، التي كانت قد حققت نجاحًا رائعًا كبيرًا وصدى متميزًا، وحظيت باهتمام كبير من قبل المشاهدين، سواء خلال عرضها على شاشة قناة «العربية» أم عبر منصاتها الإلكترونية. وإن شاء الله ستكون السلسلة التي نتولى تصويرها في مكة المكرمة في مستوى تطلعات الجمهور لمعرفة تاريخ المواقع والمعالم والآثار وما شهدته من أحداث وما ارتبطت به من مجريات مهمة في تاريخ الإسلام والمسلمين.

  • اخترت مادة الترحال والسفر كمحتوى تصنعه عبر مواقع التواصل، وربطتها بالتاريخ، فما سر هذا الاهتمام؟

في زمن الإنترنت والسوشال ميديا أصبح لكل شخصه قناته الخاصة في جيبه، وبالنسبة إلى تجربتي الخاصة فهي وليدة الصدفة، حيث إنني محب للسفر، كما أنني قارئ نهم للتاريخ والحضارة وعادات وتقاليد الشعوب، ومهتم بفترات المجد الإسلامي العظيم، وقد صادف أن وجدت بعض قراءاتي مجسدة على أرض الواقع، كما أن المعلومات التي كنت أختزنها في ذاكرتي من خلال مطالعة الكتب أو الصحف والمجلات فوجئت بها أمامي، وهو ما جعل لها زخمًا وهيئة، وباتت أقرب إلى الفهم، ومن هناك اتجهت إلى سرد المعلومة وتفسيرها من موقع الحدث.

مثلًا مهما تحدثت عن جبل أحد وفضله وجماله وعن غزوة أحد، فإن المعلومة لن ترسخ في ذهن المتلقي كما ترسخ عندما أكون في عين المكان وفي موقع المعركة.

  • حديثك عن المناطق الأثرية والتاريخية والطبيعية والسياحية التي تزورها يحمل الكثير من المعلومات الموثقة، فهل تعتمد على فريق إعداد أم أنك وحدك من تتولى البحث وجمع المعلومات وترتيبها وإعداد المادة المقدمة؟

الطرح في القنوات التلفزيونية يختلف تمامًا عن الطرح في مواقع التواصل الاجتماعي. في قنواتي الخاصة أعتمد على معلوماتي وقراءاتي. عندما أزور البلدان وأزور مثلًا الأندلس في إسبانيا والشام وبخارى وخوارزم وإسطنبول وغيرها، فإنني أستذكر ما قرأته من معلومات فأسردها، ويصبح للسرد زخم وهيئة بما يجعل المعلومة ترسخ في الذهن والذاكرة. أما في الإعلام التقليدي كقناة «العربية» فهناك ضوابط صارمة لتدقيق المعلومة، ولذلك فإن الإدارة مشكورة، قامت بتكليف فريق كامل لإعداد المادة وتمحيصها ومراجعتها وفق الضوابط العلمية والأكاديمية، ثم طرحها على الشاشة، والحمد لله أن هناك تعاونًا كبيرًا مع فريق الإعداد والفريق التقني بما يضمن تقديم البرنامج بالشكل الذي يليق بالمؤسسة وبجدية المحتوى البرامجي الذي يميزها.

  • ماذا تبقى في ذاكرتك من رحلة عمان؟

فاجأتني عمان، لم أكن أتوقع أن في عمان هذا العمق التاريخي وهذه الآثار الباقية والخالدة. إلى اليوم وعمان تزخر بالكثير من المعالم والحصون والقلاع والأسواق والمساجد، بعضها من قبل الإسلام، وبعضها من صدر الإسلام وإلى عصرنا هذا. أعتقد أن زيارة واحدة إلى عمان لا تكفي.

  • وماذا عن رحلة المغرب؟

المغرب كانت لنا فيه رحلة جميلة وثرية شملت الرباط، رباط الفتح والتاريخ وعاصمة المملكة المغربية حاليًا، وشملت مدينة فاس التاريخية عاصمة الأدارسة، ومدينة مراكش الحمراء التي استعرضنا من خلالها تاريخ الحقبة الإسلامية منذ عقبة بن نافع الفهري فاتح شمال إفريقيا والمغرب حتى يومنا هذا. المغرب جميل بأهله وبتاريخه وبطبيعته وثقافته وتراثه. جميل بمطبخه الثري وبمائدته المتنوعة. وإن شاء الله ستكون لي بقية بالمملكة المغربية، حيث أتمنى أن تتيسَّر لي العودة في مواسم قادمة لزيارة بقية المدن والوقوف على معالم أخرى تشهد على عظمة هذا البلد.

  • ما الذي شد انتباهك في رحلة تونس؟

رحلة تونس ألخصها بالقول المأثور: أتعبت من بعدها وأحرجت من قبلها، تونس بلد جميل ولها من اسمها نصيب، فهي تونس الخضراء التي هي خضراء بالفعل، ويمكن ملاحظة ذلك من لحظة وصول الطائرة، والشعب متعلم ومثقف وراق. البلد له عمق تاريخي مرورًا بالحضارات التي مرت به من الحضارة الفينيقية والرومانية والبيزنطية والعربية الإسلامية، ومعركة العبادلة، وأول جامعة في العالم وهي جامع الزيتونة المعمور، بالإضافة إلى أن تونس بلد سياحي من الطراز الأول.

  • هل صحيح أن هناك علاقة روحية وثقافية عميقة باتت تربط بينك وبين الأندلس؟

نعم صحيح، الأندلس تختلف عن غيرها من الأقطار، الساحة فيها تعيدك إلى الماضي التليد، والتاريخ المجيد. وإذا تنقَّلت إلى جنوب إسبانيا وزرت مدنها التي لا تزال تحمل أسماءها العريقة، فإنك ستجد الزائرين والسياح القادمين من مختلف دول العالم للاطلاع على المعالم الإسلامية والعربية في الأندلس.

وما يميز الأندلس أنها حضارة شيدها الأجداد. بناة مسجد قرطبة العظيم يمكنك أن تجد أسماءهم على الصواري: سعد ونصر وعبد الله ومحمد. كذلك لا تزال أسماء العلماء ومنازلهم معروفة إلى الآن في الأندلس. ومن يزُرْ الأندلس تنتبْه أكثر من حالة. حالة من الفرح والفخر والاعتزاز بما أنجزه الأجداد من مكاسب مادية ومعنوية، ومن معالم خالدة مثل قصر الحمراء في غرناطة، وجامع قرطبة وقنطرة قرطبة على نهر الوادي الكبير وغيرها من المعالم التي تقول إن أجدادنا مرُّوا من هناك وقدَّموا للإنسانية إضافات حضارية عملاقة، تنتابه كذلك حالة من الحزن والأسى على ضياع هذا الفردوس المفقود.

تونس بلد جميل ولها من اسمها نصيب، فهي تونس الخضراء التي هي خضراء بالفعل، ويمكن ملاحظة ذلك من لحظة وصول الطائرة والشعب متعلم ومثقف وراق

  • كيف تفسِّر سرَّ النجاح الكبير الذي حققته سلسلة «معالم» في المدينة المنورة؟

المدينة متحف مفتوح للسيرة النبوية، يرنو إليه أكثر من مليار و200 مليون مسلم في العالم، جميعهم تهفو قلوبهم إلى المدينة: من زارها ومن لم يزرْها من شتى الملل والنحل، ومن شتى الأعراق والثقافات. ولعل تعدد تلك الحضارات والثقافات ومصادر المعارف والمعلومات أدى في بعض الأحيان إلى انتشار معلومات مغلوطة عن السيرة النبوية، وهو ما جعل فريق «معالم» يسعى إلى أن تكون المعلومة موثقة بالسند الصحيح وبالمراجع الدينية المعتبرة. من هذا المنطلق زرنا كلَّ أو معظم معالم السيرة النبوية في المدينة المنورة، وذكرنا رواياتها الصحيحة، وصحَّحنا الروايات المغلوطة المنتشرة. هذا ما تميزت به «العربية» في برنامج «معالم» من المدينة المنورة.
أشير كذلك إلى أن فريق البرنامج دخل معالم لم تفتح من قبل، ولم يسبق أن تم تصويرها، مثل بئر عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولا تزال هناك بقية للتصوير إن شاء الله في مواسم قادمة.

  • كيف كان انتقالك من شاشة الهاتف إلى شاشة التلفزيون؟

انتقالي من شاشة الهاتف إلى شاشة التلفزيون كان من باب المصادفة. بدايتي كانت من صناعة المحتوى، لاسيما أن المعلومة موجودة على قارعة الطريق كما يقال، ومن وجدها ذكرها وألقاها، لكن يختلف الإلقاء من شخص إلى آخر، حينما يكون الحديث من القلب يصل إلى القلب. مثلًا عندما تكون أمام بئر كبئر غرس التي غسّل منها المصطفى صلى الله عليه وسلم. لا يمكن الحديث برتابة وهدوء مبالغ فيه، فأنت في حضرة مَعْلَم من أهم معالمنا الإسلامية، له حضور في قلبك. ويجب أن تترجم ما في قلبك على لسانك. يجب أن تستخدم المقدمة (الاستهلال) لشدِّ الانتباه، أن تعتمد على الإيجاز، وأن تخاطب وتلامس شعور المتلقي.


اتصل بي مُعَلِّمنا القدير الأستاذ الهادي الحناشي من قناة «العربية»، ودردشنا طويلًا حول الموضوع، وتحدَّثنا، وكان بيننا نقاش طويل حول الطريقة الأمثل لنقل التجربة من مواقع التواصل الاجتماعي إلى شاشة التلفزيون، وكان له الفضل -بعد الله عز وجل- في ظهوري من خلال سلسلة «معالم» في المدينة المنورة والبرامج التي تلته، فنقول له جزاك الله خيرًا.

  • ما الجوانب التي عادة ما تشدُّك في رحلاتك؟

لا يمكن للمرء أن يقول إنه زار بلدًا ما إلا إذا اختلط بشعبه وعاش معه ودخل بيوته وأكل من طعامه وتعرف على عاداته وتقاليده، ليعطيك بعد ذلك صورة يمكن الاعتماد عليها في وصف ذلك البلد. المهم للرحالة أن يختلط بالشعوب ويطَّلع على ثقافاتها وخصوصياتها الحضارية والاجتماعية وعلى اهتمامات الناس وميولاتهم ومشاغلهم وطموحاتهم.

  • ما البلاد التي تتمنى زيارتها مرة أخرى لو توفرت لك الفرصة؟

الأندلس، قولًا واحدًا. الأندلس لا تمل، في كل زيارة لي إلى هذا البلد أشعر بنفس الشعور الذي غمرني في أول زيارة. ما السبب؟ لا أعلم. ولكن البلد غني وثري، ومهما زرته فستجد نفسك تكتشف فيه جوانب أخرى مختلفة، وبخاصة من حيث المعالم والتراث الذي يربطك بالأجداد، ستجد التاريخ والقصص وبصمات الماضي.
لطالما قرأت عن هذا البلد، ولطالما سمعت عن تاريخه وحضارته وتراثه ومعالمه، وعندما رزته وجدت أن الواقع أهم بكثير مما قرأت وسمعت. أدركت مدى أهمية التنوع الثقافي الذي كان يتميز به ذلك البلد، حيث كانت تتعدد الأعراق والثقافات. وكان يجتمع في قرطبة مثلًا المسلم والمسيحي واليهودي من دون تفرقة بينهم. لقد أعطى ذلك الثراء الثقافي والحضاري تلك الصورة الرائعة عن الأندلس التي لا تزال حاضرة بيننا إلى اليوم.

  • ما البلد الذي تتمنى زيارته في أقرب فرصة؟

نيوزيلندا.

  • ما البلد الذي مثَّل لك مفاجأة في سلسلة رحلاتك؟

كثير.. النرويج مثَّلت لي مفاجأة بطبيعتها الصارخة التي لا تمل. الأندلس مثلت لي مفاجأة بعمقها التاريخي وتنوعها الثقافي والحضاري. أوزباكستان بلد ما كنت أتخيل أن أجد به ذلك العمق التاريخي والثقافي الإسلامي، حتى أن قبور الكثير من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين موجودة هناك، بل إن هناك قرية كاملة اسمها قرية العرب توجد على الحدود مع الصين. ولا يزال سكانها إلى اليوم من العرب، قد تكون لغتهم مكسرة، ولكنهم سحناتهم وملامحهم عربية ويعودون إلى ذرية سعد بن أبي وقاص.

  • بوصفك صانع محتوى شهيرًا، هل تجد جهات مستعدة لرعاية رحلاتك؟

نعم. كثيرًا ما تأتيني دعوة رسمية أو غير رسمية من بعض البلدان السياسية، قد تكون تلك الدعوات من شركات سياحة أو من مؤسسات حكومية متخصصة.

  • هل راودتك فكرة جمع رحلاتك في كتاب من باب التوثيق للأجيال القادمة؟

نعم، الفكرة موجودة، ولكن الوقت ضيق، وقد حصرتنا التقنيات الحديثة، حيث أصبحت تقول المعلومة وتوصلها إلى المتلقي بضغطة زر.