قد يبدو لكثيرين أن الصحفي هو المبتسم دائمًا، أمام عدسات الكاميرات، الرشيق بسرد الكلمات على الهواء.. وفي جيبه بطاقة عبور تفتح له كل الأبواب المغلقة لكافة المناطق والمؤسسات.. ويمكنه دخول مكتب أي مسؤول دون سابق إنذار، وطرح الأسئلة المسموحة والممنوعة دون حرج.
كي تعرفوا حقيقة الأمر.. تعالوا أحدثكم عن وضع ووجع زملائي في مختلف مناطق الصراع في العالم.
الصحافة باتت المهنة الأخطر في العالم، بعد أن كانت في المرتبة الثانية لعقود طوال.. الخطر الذي سأحدثكم عنه لا ينحصر فقط بمسيَّرة تحلق في الأجواء تصطاد صحفيًّا يعمل على نقل ما يحدث على الأرض، أو رصاصة لعينة عمياء لا تميز الميكرفون بيده عن مقاتل يضع إصبعه على الزناد ويحمل سلاحًا فتاكًا، بل الخطر بات في حجم المعاناة والمآسي لما تلتقطه عيناه قبل الكاميرا، ولكم أن تتخيلوا عندما يقف الصحفي في مكان ما وتمر أمامه عجوز مسنة وتسأله: أين يمكنني أن أجد ابني؟ شاهدته آخر مرة قبل 10 سنوات من اعتقاله.. بعت بيتي ومدخراتي في سبيل البحث عنه.. دفعت لأحدهم مقابل خبر عنه.. طفت سجونًا ومعتقلات لأكثر من منطقة دون جدوى.. تقطعت بي السبل وأنا أبحث بين البلدات عن بعض المفرج عنهم لأسأل إن شاهد أحد ابني.. وتخنق صوتها الحسرة وتغرورق عيناها بالدموع ويتهدج صوتها قائلة "داخلة على الله وعليك" أن ترشدني أين هو الآن وإلى أي جهة نقلوه ومن كان معه. هنا يبدأ الصحفي بضرب الأخماس بالأسداس ويعود بذاكرته ساعات قليلة إلى الوراء عندما كان يقف بين رفات المقابر الجماعية والأكياس البيضاء المحشوة بالجثث وبقايا عظام بداخلها، ويقرر حينا كتم الخبر في صدره على غير إرادته كي لا يذبح الأمل المتبقي في قلب تلك العجوز.. تخيلوا.
أيضًا، الصحفي الميداني، وهو المراقب الدؤوب لكل جهة أينما وجد، يقف على مشاهد الدمار والانفجارات والاعتقالات والتجاوزات، وهو الشاهد العيان على الأحداث والمؤامرات والتلاعب بمصير الشعوب وأرزاقها.. والصحفي الميداني لا يمكنه أن يقول كل شيء حرفيًّا.. بل عليه أن يصقل ويرتب وينتقي ما يمكن أن يقال.. كي لا يتهم بالمتحيز أو بالمثير للفتن.. وها هم عشرات الزملاء في سوريا ولبنان وغزة دفعوا حياتهم ثمنًا مقابل الكلمة الحرة، ولم يبق لذويهم سوى بقايا من مخلفات الصحافة التي كان ابنهم يرتديها أو قميصه المثقوب برصاصة غادرة، كتذكار لدموع أمهاتهم على رفوف المنازل.. وبالطبع لقطات لهم في مقاطع البروموهات على الشاشات.
هل تعلمون أن الصحفي الميداني قد لا يحظى دومًا بالحصول على "سندويشة" تقوته عند الصباح الباكر فتكون لقمة طعامه القادمة عند منتصف الليل؟
أيضًا هل تعلمون أن الصحفيين الميدانيين "طلقوا بالثلاثة" الإحساس بالبرد والحر والجوع والتعب، فلا توقفهم الأمطار والثلوج والرياح العاتية، وكل ما يوخز إحساسهم بالألم هو معاناة الناس وأزماتهم؟
أيضًا لكم أن تتخيلوا أن الصحفي الميداني بعد ركوبه 3-4 رحلات طيران متتالية للوصول إلى تغطية ما، ينزل من الطائرة باحثًا عن أول نقطة للخروج ببث مباشر وليس عن استراحة محارب بعد السفر الطويل.
لن أثقل عليكم كثيرًا في الحديث عن حياة الصحفي الميداني، فالقصص تطول وتطول، ولاسيما أنها تقابل بضغوط الابتعاد عن المنزل والعائلة والأهل والأبناء لعشرات الأيام، وفي بعض الأحيان لشهور طوال.
وربما هذا الصحفي الذي ينقل الخبر يكون ذات مرة هو الخبر نفسه.
كل التحية والاحترام لزملائي الميدانيين.. أولئك الذين قايضوا حياتهم وأجسادهم مقابل كلمتهم الحرة.