حسين الشيخ: مقولة «سوريا من دون بشار» عصارة روح أضناها الانتظار لساعة الخلاص
حسين الشيخ:
مقولة «سوريا من دون بشار» عصارة روح أضناها الانتظار لساعة الخلاص
بكثيرٍ من الشوق إلى وطنه سوريا، ومن السعادة بتحريره من قيود الديكتاتورية والاستبداد، اتجه الزميل المذيع حسين الشيخ إلى دمشق لينسجم مع توقيتها وليتفاعل مع لحظات التحول الكبير الذي شهدته يومَ الثامن من ديسمبر 2024 من خلال حلقات بودكاست «بتوقيت دمشق»، التي حققت نسبة عالية من المشاهدة، وصنعت الحدث بما سلطته من ضوء على مجريات الأحداث خلال الأيام الأخيرة من عمر النظام السابق. كثيرةٌ هي المشاعر المتداخلة والأفكار المرتفعة فوق جسور الساعة لتشكل ملامح تجربة وجدانية عاشها الشيخ من دمشق التي سجل فيها مقابلاته إلى درعا التي كرمته في حفل بهيج. معه التقينا وكان الحوار التالي:
رقم الإصدار فبراير 2025
شارك
  • تم نسخ الرابط

  • مهمة ناجحة كانت لك في سوريا للإسهام في تغطية حدث التحول السياسي في البلاد، هل لك أن تحدثنا عنها؟

كانت ساعة أشبه بأمنية بعيدة المنال، أمنية عزيزة تفوق في معناها بالنسبة إليَّ جميع مساحات خيالي، إنها سوريا؛ وأخيرًا أحط رحلي ورحالي وأسرتي على أرض دياري الحبيبة سوريا بعد اثني عشر عامًا من التوق الضاغط والشوق الممض، بل الحرمان مثلي مثل ملايين السوريين الذين توزعوا أربع جهات الأرض هربًا من صنوف العذاب النفسي والقتل الجسدي.. الأمر بدا للوهلة الأولى بالنسبة إليَّ ضربًا من أفعال ربانية؛ يسقط طاغية العصر بأيدي من ضحى لأجل سوريا، يا له من قدر جميل لي وللسوريين.. للشام، كعنوان لسوريا، طعم لا يدانيه طعم آخر، أقولها بملء قلبي ونفحات روحي: لقد استعادت روحي ألقها.. فتلاقحت مع وجدان السوريين جميعهم تعبيرًا عن الانعتاق والتحرر.

  • اشتهرتَ بعد سقوط النظام بعبارتك الشهيرة: (الساعة الآن السادسة وثماني عشرة دقيقة.. سوريا من دون بشار الأسد)، التي قلتها صبيحة يوم سقوط النظام عبر شاشة قناة العربية. ماذا تمثل بالنسبة إليك الآن؟

كنت في تلك اللحظات أدير حوارات مع شخصيات رسمية ومحللين ومعنيين على الشاشة على مدار ساعات البث المباشر حول تطورات وتداعيات واحتمالات الحدث السوري في ظل معطيات تشي جميعها أننا في الساعات الأخيرة أو لربما في اللحظات الأخيرة من تحول دراماتيكي في سوريا ومنها احتمال هروب بشار، وتحديدًا بعد أن سقطت مدينة حمص التي تعتبر بالنسبة إليَّ، وكما هو معروف في أبجديات خطوط الجبهات العسكرية، خط الدفاع الأخير عن العاصمة دمشق، فكانت تقديراتي تصب في هذا المنحى، لكن بحكم مهنتي كمذيع ومحاور ليس واردًا أن أستبق الحدث وأقفز إلى استنتاجات، فلجأت إلى تسليط الضوء على النتيجة المتوقعة بهروبه إلى التدرج في الصعود إلى الإعلان، وهذا التدرج منحني القدرة على لملمة حروفي التي شكلتُ منها هذه الجملة، وأنا أعرف جيدًا أن التاريخ والجغرافيا متلازمان في التأريخ لحدث بهذا الحجم، ولا بد هنا من توثيق الحدث الاستثنائي مؤطرًا بأسسه القاطعة، فكانت جملتي المتقنة (الساعة الآن السادسة وثماني عشرة دقيقة.. سوريا من دون بشار الأسد).. إنها عصارة روح أضناها الانتظار لساعة الخلاص، وقد أزفت في هذه اللحظة لأرسلها طربًا.

جاءت فكرة «بتوقيت دمشق» لتكون سفرًا من أسفار سوريا والسوريين

  • كيف جاءت فكرة حلقات بودكاست بتوقيت دمشق؟ وهل تعتقد أنها حققت الإضافة التي كنت تطمح إليها؟

وسائل الإعلام اليوم بصنوف منابرها المتعددة هي التي استلمت مهمة تأريخ اللحظة، وبالتالي تأريخ وتوثيق الحدث أو الأحداث مهما عظم شأنها أو قل، فما بالك والأمر يتعلق بإرث سوري منذ استقلالها لم يكتب من قبل المؤرخين العرب السوريين تحديدًا.. لمعت الفكرة في رأسي وأنا أقلب صفحات ذاكرتي السورية، فقلت لنفسي: اعتاد الناس أن يقرؤوا روايات التاريخ عبر الكتب، ولكن ذلك كان في الماضي، فعقدت العزم على خوض غمار هذه التجربة متسلحًا بثلاث مزايا، أولها أن الحدث استثنائي في جميع مظاهره، وثانيها أن سقوط بشار الأسد وهروبه أسقط معه حقبة مظلمة على امتداد سوريا، وبالتالي فإن العالم برمته معني بسردية أمينة ودقيقة من شخوص أحياء شاركوا أو ساهموا أو أثّروا وتأثروا بهذه الحقبة، وثالثها أن التاريخ برأيي يُكتب اليوم بالصوت والصورة والحقيقة.. جاءت الفكرة لتكون سفرًا من أسفار سوريا والسوريين الذي لم يسبق إليه أحد في تدوينه المصور، ولكي تبقى شاهدًا نابضًا بالحياة على حقب سورية معاصرة.
طرحت الفكرة على المدير العام الأستاذ ممدوح فما كان منه إلا القول:
حسين تستطيع السفر غدًا.
وطلب مني التواصل بشكل سريع ومباشر مع الزميل محمد الجراح وباقي الزملاء لسرعة إنجاز العمل، وهذا ما تمَّ.

  • ما المقاييس التي اعتمدتها في اختيار ضيوف الحلقات؟

بالنسبة إليَّ وإلى مشروعي في البودكاست فإن الأمر مرتبط بشكل وثيق بهدفي في تسليط الضوء على سوريا بحكاياتها وتاريخها خلال الحقبة الأسدية التي تمتد إلى أربعة وخمسين عامًا من عمر البلاد والعباد.. معايير اختيار الضيوف تقوم على هدفين الأول مصداقية الضيف في سرد روايته، والثاني مساهمته في السلطة، سواء أكان من مكوناتها السياسية أم العسكرية أم الثقافية أم التنفيذية، يقابله أولئك الضحايا أو الشهود على الجريمة الأسدية بحق سوريا وشعبها، لا نتدخل في رواية الضيف ولا نقوم بعملية مونتاج لحديثِ أي ضيف، الهدف هو إماطة اللثام عن المخفي من تلك الحقبة المظلمة التي حاول النظام السابق وزبانيته إخفاءها أو حتى طمسها.. الجرائم لا تسقط بالتقادم عندما تُرتكب بحق شعب وبحق وطن.

  • كيف واجهت الحملة الممنهجة التي تعرضت إليها مؤخرا في بلدك سوريا؟

من الطبيعي ألَّا يكون أي عمل مقبولًا أو مرضيًا للجميع، وذلك أمر غير مستغرب، وقد قرأته بكثير من القبول، وكان قراري بأن أوسع دائرة مهمتي والاستمرار بالعمل بوحي قناعاتي، والمهم أنها أمانة في عنقي تجاه سوريا وأهلها.. لقد عززت حافزي على المضي قدمًا في مشروع مستندًا إلى أدوات عصرية حواملها الصورة والصوت والمصداقية والأمانة.. شهادات للتاريخ؛ وستبقى وأتوقع أنها ستكون مرجعًا يومًا ما.

وسائل الإعلام هي التي تسلمت مهمة تأريخ اللحظة وتوثيق الحدث

  • ما قصة الدعوى القضائية ضدك؟

طواها الزمن، بل طوتها الأحداث، اليوم نحن السوريين نكتب غدنا بحرية ومحبة.. كما جرت العادة في حقبة الهارب بشار وأبيه، تقارير كيدية وإلى ما هنالك.. هم كانوا يطلقون على ثوار سوريا إرهابيين وعلى المدنيين وغيرهم، ويبدو أنهم منحوني من حيث لا يعلمون ميزة عندما وضعوني ضمن هذا التصنيف الزائف الذي كانوا يروجونه على كل من لم يمض معهم ويسلك دربهم، أنا لم أكن يومًا إلا مع مظلومية السوريين والقهر الذي كانوا وكنت أعانيه.


كنت أذكر تمامًا عندما اضطرَّ إخوتي لجلب أمي إلى بيروت لأراها وتراني بعد وفاة والدي الذي حرمتني أجهزة الأسد الأمنية من رؤيته أو حتى زيارة قبره.
محروم من بلادي منذ سنوات بعيدة، ولكن جاءت لحظة الحقيقة والحرية.

  • هل تعتقد أن هناك أطرافًا ما حاولت استهدافك في إطار المنافسة الإعلامية وخصوصًا بعد الحضور الكبير الذي سجلته على مواقع السوشال ميديا؟

لا أعتقد بذلك مطلقًا، وإذا ما حاولت الوقوف على فحوى السؤال فإنني أستطيع القول إن دوافع الآخرين مختلفة باختلاف ثقافاتهم ومواقعهم وسياقات عملهم، ومع وجود الروح التنافسية في قطاع العمل الإعلامي، إلا أن قناعتي الراسخة تميل إلى القول: طالما أنك تعمل وتتميز وترسم لوحاتك الخاصة بجهدك ومثابرتك فعليك الاستعداد لتلقي السهام، لكن مناعتي صلبة.

  • شاركت في احتفالية انتصار الثورة بمدينة درعا يوم 14 يناير، كيف وجدت الاستقبال الشعبي والتفاعل مع الزملاء؟

حين تلقيت الدعوة للمشاركة بالاحتفالية في مهد الثورة انتابني شعور بحجم المسؤولية والأمانة التي أحملها، ولا بد من صونها أمام أهلي وناسي، وبخاصة أنني لم أقدم ما يرتقي لتضحيات ملايين السوريين.. كانت لحظات لا تنسى أن أضيف إلى سطور الثورة السورية المباركة سطرًا من أسفاري وتكون صرختي قد وصلت إلى قلوبهم، وهذا إحساس غامر لحظة ظهوري بين الجمع المحتشد.. حشد هائل، بل هادر، رموز ثورية في مهد أرض الثورة، حناجر تصدح بأهازيج نصر وحَّد القلوب.. مشهد يؤصِّل ما نحن نؤمن به ونعمل لأجله: سوريا.

  • كصحفي ومواطن سوري ابن مدينة الرقة، كيف تفاعلت مع تغطية شبكة العربية لحدث الثامن من ديسمبر وما تلاه من ارتدادات؟

قد أكون الوحيد الذي حباه القدر بازدواجية اللحظة؛ سوري من جانب، وإعلامي في شبكة العربية من جانب آخر، ويعتلي منبرها ببث حي ومباشر يتابع كل لحظة في تطور حدث بلاده بحصافة الموضوعية المهنية، والعالم برمته يتابع ويدون ملاحظاته، بينما أنا الإنسان السوري، داخله يغلي من الداخل على نار مضطرمة بين اللهفة لنصر سوريا وشعبها على الطاغية وبين قيود المهنية التي تلجم اندفاعتي الذاتية.. كانت تغطية استثنائية بكل معايير المهنية من سرعة في نقل الخبر ودقة في معالجة الطارئ من الحدث المتداعي وفي إفساح المجال لرؤى وآراء وتكهنات جميع الضيوف.. خلية نحل هدفها خدمة المشاهد باحترام عقله وقناعاته على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم وقناعاتهم.