بالنسبة إليَّ، لم تكن العلاقة مع قناة العربية وليدة منصبي كمتحدث إقليمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية فحسب، بل هي امتداد لمسيرة شخصية ومهنية بدأت منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا، حين قررت أن أغوص في عمق اللغة العربية، لغة التاريخ والحضارة. منذ تلك اللحظة، أصبحت قناة العربية جزءًا لا يتجزأ من يومياتي، ليس فقط كأداة لمعرفة الأخبار، بل كنافذة لفهم الثقافة العربية بكل تنوعها وثرائها.
وفي رحلتي لتعلم العربية، كانت قناة العربية أحد المصادر التي رافقتني منذ بداياتي. كانت بالنسبة إليَّ أكثر من مجرد وسيلة إخبارية، كانت بمثابة معلم صامت. كنت أشاهد نشراتها وبرامجها لتطوير مهاراتي اللغوية وفهم السياق الثقافي والسياسي للمنطقة. إن طريقة تقديم الأخبار بلغة عربية واضحة ومتقنة لم تساعدني في صقل لغتي فحسب، وإنما أيضًا في فهم أعمق لديناميكيات المنطقة. شيئًا فشيئًا، تحوَّل المشاهد والمتعلِّم إلى شريك وضيف، فكانت لي فرصة التعاون مع القناة مرارًا، عبر المقابلات الإخبارية للحديث عن السياسات الأمريكية الخارجية.
خلال سنوات عملي كمتحدث إقليمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية، كان لقناة العربية دور بارز في تغطية محطات مفصلية في المنطقة. من الأزمات السياسية الكبرى إلى الاتفاقيات الدبلوماسية المهمة، لطالما وجدت في القناة شريكًا مهنيًّا يحرص على تقديم المعلومة بدقة وموضوعية. وكمتحدث رسمي، أتاحت لي القناة منصة للوصول إلى جمهور عربي واسع، في لحظات كانت تتطلب خطابًا واضحًا وصريحًا.
غير أن الجانب المهني ليس وحده ما يميز علاقتي بقناة العربية، فعلى مر السنوات، بنيت صداقات حقيقية مع العديد من الصحفيين والمراسلين والعاملين في القناة. وجدت بينهم مهنيين ملتزمين بالحقيقة، يسعون إلى نقل الأخبار بمصداقية وحياد، لكنني وجدت أيضًا أشخاصًا يتعاملون بروح الزمالة والود، ما جعل العمل معهم تجربة إنسانية رائعة بقدر ما هي مهنية.
قناة العربية ليست مجرد وسيلة إعلامية، إنها مدرسة في الإعلام العربي الحديث، ورمز للحيادية والمهنية في زمن تتعالى فيه الضوضاء الإعلامية. لقد تابعتُ -من قرب- كيف استطاعت القناة أن تحافظ على مصداقيتها، وأن تكون مصدرًا موثوقًا للأخبار والتحليلات في منطقة مليئة بالتحديات.
في ذكرى تأسيسها الثانية والعشرين، لا يسعني إلا أن أعبِّر عن امتناني لكلِّ من التقيتهم في هذه الرحلة، ولكلِّ لحظة تعاون ومشاركة بنَّاءة. وأتمنى لقناة العربية مزيدًا من النجاح والتألق، لتبقى صوتًا مهنيًّا يعكس نبض العالم العربي بكل تنوعه وثرائه. إن الإعلام لم يكن يومًا مجرد نقل للأخبار، بل هو مسؤولية وشغف ورسالة. وقناة العربية جسَّدت هذه القيم على مدار أكثر من عقدين.