رأيت في هذه الانطلاقة فرصة لتحقيق حلم لطالما راودني منذ الطفولة، بأن أطل على عالمنا العربي من خلال الشاشة. وكان لي أن أحقق هذا الحلم من خلال شاشة العربية. لا شيء يضاهي أن تكون جزءًا مؤسِّسًا من مشروع متميز وناجح، أن تكون جزءًا من منظومة تعمل كوحدة واحدة. أن تزرع مع الزارعين بذور النجاح بالعمل الدؤوب وترويض الصعاب، وأن تحصد مع الحاصدين ثمار التعب نجاحًا وتألقًا.
قبل عامين حين احتفلنا بعيد "العربية" العشرين في الرياض، وعندما كنت أفكر بماذا عساي أن أقول لأعايد زملائي وهذا المكان الذي احتضنني لعقدين من الزمن، أكثر ما كان يتردد في ذهني هي كلمة "بيتي". ليس من منطلق الخطابة أو المجاملة أو تحصيل حاصل، بل فعلًا هذا ما تشعرك به «العربية» من دفء واحتواء البيت، وهذا ما ستكونه «العربية» دائما بالنسبة إليَّ، بيتي الذي كبرت فيه وأكبر معه. مكان لدي فيه تجربة وذكرى في كل قسم من أقسامه. فمشواري مع «العربية» بدأ في قسم البرامج مع برنامج «الطبعة الأخيرة» الذي قدمته وساهمت في إعداده لعدة سنوات قبل أن انضم إلى فريق الصباح مع انطلاقة برنامج «صباح العربية» في عام 2005 الذي قدمته سبع سنوات.
تجربة أغنت مسيرتي المهنية التلفزيونية في مجال البرامج الصباحية إلى حدٍّ كبيرٍ، فقد كانت «العربية» بإطلاق هذا البرنامج -في وقتها- رائدةً في ترسيخ أسس ومفهوم المحتوى الصباحي القيم والممتع داخل المنظومة الإخبارية، الذي يتخطى حدود المحلية، وينطلق إلى فضاء عربي شامل. وأكبر دليل على ذلك حذو الكثير من المحطات العربية في ذلك الوقت حذو العربية بإطلاق برامج مشابهة تصل إلى حد التقليد.
مع بداية الربيع العربي في 2011 كنت على موعد مع تجربة جديدة تحت عباءة "العربية"، حيث انتقلت إلى قسم الأخبار، وبدأت بتقديم النشرات الإخبارية اليومية، ابتداءً من النشرات الصباحية، ووصولًا إلى البرامج الإخبارية المتخصصة في فترة الذروة. ورغم دقة وصعوبة وقساوة تلك الفترة في عالمنا العربي فإن "العربية" استطاعت أن تبقى على قمة هرم المهنية في نقل الخبر وتحليله بحيادية. سمة أغضبت جهات كثيرة عبر السنين، وكلفتنا ثمنًا باهظًا من زملاء أعزاء قضوا حاملين راية الحقيقة.
وما بين الثورات والحروب والأحداث الكبرى، وما أكثرها في السنوات الأخيرة، استمرت "العربية" بالتميز تحريريًّا وتقنيًّا بإبداع دائم، تبهر الناظر والمتابع بصورة خلابة وتوفر محتوى متنوعًا ومتخصصًا في آن، وبجودة وقيمة وازنة راقية. إذ يظهر التباين بينها وبين منافسيها جليًّا في كل تغطية ومع كل حدث. فـ "العربية" حرصت دائمًا على مواكبة عصرنا المتسارع بكل المجالات، فكانت من أولى المحطات التي دخلت العالم الرقمي والتطور التقني على صعيد الصورة، وأولها أيضًا تواجدًا على منصات التواصل الاجتماعي بكل أنواعها، ما فتح المجال لكثيرين في كنفها لسبر أغوار جديدة في عالم صناعة المحتوى. وقد كنت أنا واحدة من هؤلاء.
فمع دخول العالم في سبات كورونا وبقائنا جميعًا حبيسي المنازل أطلقت "العربية" عدة فقرات وبرامج متنوعة خصيصًا لمواقع التواصل، وكان من بينها برنامج ببساطة الذي أنتجت وقدمت من خلاله أكثر من 100 حلقة وفيديو تتناول موضوعات متنوعة تعنى بكل مناحي الحياة ما منحني فسحة لالتقاط الأنفاس بعيدًا عما أقدمه من أخبار سياسية على شاشة "العربية" يوميًّا وفرصة لاستخدام مخزون من المعلومات سلَّحني بها شغفي بالقراءة.
وفي خضم انكماش الحياة والإنتاجية الذي فرضته كورونا على العالم كانت "العربية" في عمل دؤوب، حيث أطلقت منصاتها الرقمية الجديدة، وخاضت في مجال تجربة صناعة المحتوى الصوتي المصور من خلال منصة "العربية بودكاست" التي تحولت لاحقًا إلى منصة «مزيج»، وهي فعلًا كذلك مزيج من البرامج السياسية والاجتماعية والثقافية التي تحاكي كل ما يهم المتابع العربي.
وقد كنت من المحظوظين الذين أسهموا في عالم البودكاست وصناعة المحتوى. فأطلقتُ برنامج "كلام منطقي" على "العربية بودكاست"، وأنتجت وقدمت من خلاله أكثر من 70 ساعة مصورة، ما مكَّنني من البحث في علوم مختلفة مثل الطب، الصحة، الطب النفسي، الثقافة، الرياضة والاقتصاد. تجربة أغنت معلوماتي ووسَّعت معرفتي، ووفرت لي نافذة غنية وصلبة للوصول إلى ما أصبو إليه شخصيًّا ومهنيًّا. كل ذلك بالتوازي مع انخراطي الكامل في غرفة الأخبار وبتغطية الأحداث السياسية المتسارعة في هذا العالم.
واليوم يستمر مشواري مع "العربية" بانضمامي إلى فريق العربية إنجليزي (Alarabiya English). حيث أسعى إلى الخوض في تجربة جديدة وإنتاج محتوى قيم وهادف باللغة الإنجليزية، إعدادًا وتقديمًا.
اليوم وبعد 22 عامًا من انطلاقها، وتغطيتها لأحداث هزت العالم ابتداءً من حرب العراق عام 2003 وصولًا إلى الحرب على غزة في 2023، و6 انتخابات أمريكية بتفوق تقني وتحريري آخرها في 2024، وتغطيتها لثورات الربيع العربي وما تبعها من أحداث غيرت وجه العالم العربي، تبقى "العربية" هرمًا إعلاميًّا كبيرًا في تنامٍ مستمر، تخلق الفرص وتفتح الأبواب لمن يجرؤ على أن يفكر خارج الصندوق ويصنع التفرد والتميز. فخورة أنا بأنني ابنة هذا البيت.. بيت العربية الكبير.