يوميات صحفي في قسم المقابلات
يوميات صحفي في قسم المقابلات
"السياسة حرب باردة.. والحرب سياسة ساخنة".. هكذا وصف المؤرخ الفرنسي إرنست رينان السياسة التي تشكل ملامح الوجه الآخر لمهنة الصحافة التي توصف بمهنة المتاعب. أختلف في توصيفها مهنة، وإن كان التوصيف أول ما جمعني بها باتصال غيَّر مجرى حياتي.. بدأت مهمتي بولادة ثورة غيرت مجرى التاريخ في مصر. 
بقلم: محمد كمال عاشور
رقم الإصدار مارس 2025
شارك
  • تم نسخ الرابط

الثامن والعشرون من يناير، هو التاريخ الذي لا ينساه المصريون عندما نزلوا إلى الشوارع قبل أربعة عشر عامًا.. وصلت إلى مكتب قناة العربية موظفًا بعد أن تلقيت اتصالًا لبدء العمل، ولم أعد المتدرب الذي قضى أشهرًا يراقب ويحفظ جيدًا أبجديات المهنة.


لم أناقش التفاصيل أو العائد المادي ولم يعْنِ لي شيئًا.. فقد كان همي منصبًّا على تحرير شغفي المهني.. مهمتي كانت الأصعب في بلد يعصف به التغيير في كل لحظة.. جمع المعلومات ومراقبة ما يجري في ميادين التظاهرات والمواقف السياسية التي تتغير سريعًا وتتحول من ضفة إلى أخرى، والأصعب من ذلك هو البحث عن الأخبار والاتصال بالسياسيين الذي توجسوا خيفة من الحديث.. وما جعل المهمة شبه مستحيلة انقطاع الاتصالات وإسدال الستار الأسود على الإنترنت ودفق المعلومات التي بثها الناشطون.


حاولت استيعاب ما يجري من حولي في بلدي، تجاوزت الاندهاش على مضض وسط الفوضى الأمنية والسياسية التي فرضت علينا حساب كل خطوة على الأرض، وكل خبر وضيف يشارك على الهواء.


مهمة لم تكن سهلة.. فبين العمل على مدار الساعة وتأمين عائلتي، كانت الأخبار لا تتوقف أيضًا على مدار الساعة.. في النهار نتنقل بحذر، وفي المساء نلجأ إلى المكتب متحصنين بمهنتنا.. لكن الوضع لم يدم طويلًا.. أيام قليلة حتى أصبحنا الحدث عوضًا عن نقله.. مجموعة من الأشخاص حاولوا اقتحام المكتب.. لم يمهلونا سوى وقت قليل قبل أن نتمكن من المغادرة خلسة للنجاة بحياتنا، وزادت المهمة تعقيدًا بعد أن اضطررنا إلى العمل من منازلنا بإمكانيات متواضعة.. نجحت في مهمتي الوليدة وانقضت تلك الأيام لتصبح ذكرى لا أنساها.


مرة أخرى.. تفاجئني مهنة المتاعب.. طويت صفحة الميدان للانتقال إلى غرفة الأخبار عام 2015 في المقر الرئيسي لقناة العربية في دبي.. استدعيت للعمل بشكل مؤقت ومساعدة الزملاء لتمتد المهمة وتصبح دائمة.. وهنا قصة أخرى، فالتغطية لا تقتصر على حدث في بلد واحد.. ولا تمتد العلاقات إلى جغرافيا بعينها.. فهنا الانتقال إلى عالم الأخبار الذي لا يهدأ.. فكل نشرة إخبارية بمثابة تحدٍّ منفصل.. مواضيع سياسية مختلفة تلاحق جمهور "العربية" الممتد في كل الدول العربية والغربية.. ومعايير عالية لا تقبل إلا بضيوف من الصف الأول.. وهنا بدأت بنسج العلاقات وجمع المعلومات من جديد.. كل ذلك العناء، ينتهي بمجرد أن أنتهي من إعداد الضيوف المناسبين للنشرة.. هكذا كنت أعتقد، حتى تفاجئنا السياسة بأحداثها، لا سيما في الشرق الأوسط الذي لا تهدأ أزماته.. فمع كل تطور سياسي، وحدث استثنائي، تجتاح الأخبار الشاشة بكلمة عاجل، التي تعني بكل بساطة، أن تتحرك خلال دقائق معدودات لتأمين عشرات الضيوف للظهور على الهواء في معركةٍ سلاحُك الوحيدُ فيها أرقام الضيوف وقدرتك على الإقناع.