مدير مكتب العربية في باريس حسين قنيبر: دِقَّة الخبر يجب أن تبقى المعيار الأول
مدير مكتب العربية في باريس حسين قنيبر: دِقَّة الخبر يجب أن تبقى المعيار الأول
تجربة ثرية ورحلة متميزة يعيشهما الزميل حسين قنيبر رئيس مكتب «العربية» في باريس، والمراسل الذي استطاع أن يؤسس لنفسه خصائص حضوره وملامحه ورؤيته أمام الكاميرا وخلفها، وأن يتحول إلى أحد أبرز الخبراء المتخصصين في الشأن الفرنسي والأوروبي عمومًا.
رقم الإصدار مارس 2025
شارك
  • تم نسخ الرابط

بدأ مع «العربية» منذ انطلاق بثِّها لأول مرة قبل 22 عامًا، وغطَّى على شاشتها أهم الأحداث التي شهدتها فرنسا وأوروبا، ومواقف باريس من القضايا والملفات العربية والدولية، وأجرى مقابلات مهمة مع أبرز صانعي القرار الفرنسي، وعرف كيف يشكِّل شبكة علاقات في مختلف المجالات ساعدته على الفوز بالسبق الصحفي في كثير من المسائل والأحداث.
معه التقينا فكان الحوار التالي:

  • أستاذ حسين، كيف كانت بداياتك مع «العربية»، لا سيما أنك تعتبر من جيل التأسيس؟

بداياتي مع "العربية" مرتبطة بشكل وثيق بالتواصل الذي حصل بيني وبين زملاء في "أم بي سي" نهاية العام 2002، قبل انطلاق "العربية" بشهرين تقريبًا، ‏أرسلت إليهم تقريرًا مصورًا تجريبيًّا، "بايلوت"، مقترحًا عليهم العمل معهم كمراسل في فرنسا، بعد وصول التقرير إليهم اتصل بي زملاء من "العربية" بعد أيام قليلة على انطلاقتها في مارس 2003، ليبلغوني أنهم شاهدوا التقرير وأعجبهم، وهم يقترحون عليَّ العمل مع هذه المحطة الجديدة التابعة لمجموعة "أم بي سي" اسمها "العربية"، وأتذكر أن أول تقرير ميداني اقترحته عليهم كان حول تظاهرة ضخمة دعا إليها ناشطون عرب في باريس استنكارًا لتهديد الولايات المتحدة بغزو العراق، وأول تقرير سياسي كان حول اجتماع فرنسي- ألماني- روسي صدر عنه موقف موحد يعارض أي عملية عسكرية أمريكية-بريطانية في العراق لا يوافق عليها مجلس الأمن.

  • كيف تقيِّم هذه التجربة بعد سنوات من انطلاقها قبل 23 عامًا؟

لا يعود إلينا وحدنا، نحن العاملين في "العربية"، تقييم هذه التجربة، فالمشاهدون هم الجهة الأقدر على ذلك والأصلح، ولهم في ذلك آراء متعددة، لكن ما أعتقده هو أن "العربية" ما كانت لتصبح محطة كبرى فرضت نفسها على الساحة الإعلامية منذ انطلاقتها ووصولًا إلى اليوم لو لم تكن قد التزمت بمعايير مهنية معينة لاقت استحسان المشاهدين، وطالما استطاعت الحفاظ على هذه المعايير، وعلى رأسها معيار دقة الخبر، ستكون قد نجحت في الحفاظ على المستوى الذي كانت عليه عند انطلاقتها، وهذه مسؤولية يومية علينا جميعًا، لأن المشاهد يمكن أن ينسى مئة خبر دقيق ولا ينسى خبرًا واحدًا يفتقر إلى الدقة، وهو محقٌّ تمامًا في ذلك.

  • أنت جئت إلى «العربية» بعد سنوات من العمل بإذاعة «الشرق»، كيف وجدت الفرق بين الإعلام المسموع والإعلام المرئي؟

‏تجربتي في "إذاعة الشرق" في باريس كان لها دور حاسم في تسريع انطلاقتي في "العربية"، ففي الإذاعة كنت أعمل يوميًا على تحرير نشرة إخبارية متكاملة تضم الملفات الإقليمية والدولية الأبرز، وعندما بدأت عملي مراسلًا لـ"العربية" قبل أن أصبح مديرًا لمكتبها في فرنسا كان قد مضى على وجودي في الإذاعة 13 عامًا، كنت قد أصبحت خلالها متمكنًا من التعامل بسهولة أكبر مع الخبر وكيفية صياغته وتقديمه للمشاهد في صيغة مقنعة، العمل الإذاعي الذي أحنُّ إليه كثيرًا يتطلب جهدًا أقل بكثير، لأن إعداد نشرة إخبارية لا يتطلب الخروج من غرفة التحرير، ولا التنقل من مكان إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، وأحيانًا من بلد إلى آخر، ثم إنه لا يفرض على الصحفي ساعات عمل إضافية، أما العمل التلفزيوني فهو ممتع أكثر، لكنه متعب أكثر، وفي المحصِّلة النهائية فإن تجربتي التلفزيونية كانت أغنى من تجربتي الإذاعية، لأنها عمقت معرفتي بالمهنة وعرَّفتني على عشرات البلدان التي زرتها، سياسيًّا وليس سياحيًّا، وجعلتني ألتقي بشخصيات سياسية مؤثرة ما كنت سألتقيها لو بقيت في الإذاعة.

  • دراستك للأدب الشرقي واللغات، هل ساعدتك على النجاح في مجال الإعلام التلفزيوني بالخصوص؟

‏في البداية درست في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، ثم التحقت بكلية الآداب التي حصلت منها على إجازة في اللغة العربية وآدابها، وبعد نجاتي من الموت بأعجوبة في حادث التفجير الذي أودى بحياة الرئيس رينيه معوض في بيروت، في يوم عيد الاستقلال عام 1989، غادرت لبنان إلى فرنسا مطلع العام 1990 حيث التحقت بجامعة السوربون التي حصلت منها على شهادة دكتوراه في الآداب واللغات وفي الحضارات الشرقية، ساعدتني هذه الشهادة في عملي أولًا من خلال تمكُّني من الحديث باللغات التي أحتاج إليها خلال تغطياتي التي توزَّعت على عدَّة دول وقارَّات، ثم إن تعمُّقي في دراسة ثقافات وحضارات وفلسفات مختلفة ساهم في رفع المستوى المعرفي، سياسيًّا وثقافيًّا، وهذا ما خدمني كثيرًا خلال مساري المهني.

  • يرى المشاهدون أنك تمتاز بغزارة المعلومات في كل المواضيع التي تتطرق إليها، سواء في التقارير أم في المداخلات المباشرة، هل لك أن تكشف لنا سر ذلك؟

‏عندما أستعدُّ لمداخلة مباشرة أتفرَّغ للحصول على معلومات من مصادر متعددة بشأن موضوع المداخلة، وأسعى إلى أن يكون بعضها على الأقلِّ مختلفًا عما هو متداول، كي تنفرد به "العربية". المصادر التي نستند إليها في عملنا يجب أن تكون موثوقة ووثيقة الصلة بالموضوع الذي نتحدث عنه، وفي أحيان كثيرة تكون هذه المصادر جهات رسمية تتحدث إلينا إما علنًا عبر مقابلة مصوَّرة أو سرًّا، أي في الكواليس، وفي هذه الحالة تشدِّد هذه الجهات على عدم الرغبة في أن ننسب إليها ما قالته، فلا نكشف للمشاهد اسم الشخص مصدر المعلومات، ولا صفته، خصوصًا عندما يكون الموضوع حساسًا، وهنا نحترم ثقة المصادر الرسمية بنا فننسب المعلومات إلى جهات نقول إنها "فضَّلت عدم الكشف عن هويتها"، المهمُّ أن يحمل ما نقدمه في المداخلة المباشرة أو التقرير جديدًا وأن يكون متوازنًا في حال وجود طرفين معنيين بالمعلومات، بمعنى أن يؤخذ رأيا الطرفين كي لا نقع في فخ التغطية المنحازة. ‏وهنا أرغب في التشديد على نقطة مهمة وهي أن غزارة المعلومات مفيدة، لكن الأهم منها دقة المعلومات ومصداقية مصدرها وناقلها، للحفاظ على ثقة المشاهد بالمحطة التي نعمل فيها.

  • ما سرُّ توصلك في مناسبات عدة إلى تحقيق السبق الصحفي؟ وهل تجد تعاونا من قبل المصادر الرسمية الفرنسية؟

‏في موضوع السَّبق الصحفي هناك دائمًا هاجس عدم الوقوع في فخ السرعة، وبرأيي فإن الرغبة في السَّبق لا يجب أن تكون على حساب الدقَّة، لأن المشاهد، كما ذكرت في إجابة سابقة وأكرِّر هنا، ينسى لنا مئة خبر سريع ويحاسبنا على خبر واحد يجانب الدقَّة، وهذا حقُّه.


عندما نتأكد أن الخبر دقيق وأن مصدره موثوق نسارع إلى إرساله، وهذا كلُّه بفضل مصادرنا. أتردَّد على قصر الإليزيه منذ فترة التسعينيات، لكن وتيرة دخولي إلى القصر زادت مع بدء عملي مع "العربية"، والأمر نفسه ينطبق على وزارتي الخارجية والدفاع وغيرهما، ولأنني أتردَّد على الإليزيه منذ فترة طويلة جدًّا نشأت بطبيعة الحال علاقة ثقة مع المسؤولين عن الإعلام الرئاسي، وهؤلاء يعملون على خطَّين: يصدرون موقفًا رسميًّا عبر بيان يصل إلى جميع الصحفيين المسجلين على لوائحهم، ولكنهم في أحيان كثيرة يمرِّرون معلومات حساسة ومهمة فقط لدائرة ضيقة من الصحفيين الذين يثقون بهم، وهذا تحديدًا ما نستفيد منه نحن، لأننا أصبحنا منذ مدَّة طويلة جزءًا من الدائرة الضيقة التي تصلها معلومات لا تصل دائمًا إلى صحفيين آخرين، وأفراد هذه الدائرة تحديدًا، ونحن منهم، تتمُّ دعوتهم إلى اجتماعات في القصر الرئاسي لا يُدعى إليها الآخرون، وهذا يضعنا بشكل منتظم في صورة ما تفكر به الجهات الرسمية وفي جوِّ السياسات التي ستعتمدها في ما يخصُّ منطقتنا العربية أو الشأن الأوروبي أو العلاقات الدولية، ومؤخرًا وصلت ثقة هذه الجهات الرسمية بنا أن تدعونا أيضًا مع عدد قليل جدًا من الصحفيين، إلى مرافقة الرئيس إيمانويل ماكرون في زياراته الرسمية، وقد رافقته "العربية" مثلًا في زياراته الأخيرة إلى كلٍّ من السعودية والإمارات وقطر ولبنان.

  • كيف تجد صدى تغطيات شبكة «العربية» في فرنسا والغرب الأوروبي عمومًا؟

‏الدوائر السياسية الفرنسية، والأوروبية عمومًا، تعرف أهمية "العربية" ضمن المشهد الإعلامي في المنطقة، وصحيح أن ‏السياسيين الفرنسيين يعطون الأولوية إلى وسائل الإعلام في بلدهم، لكن عددًا كبيرًا منهم تعاون معنا خلال السنوات الماضية في لحظات مفصلية إقليميًّا ودوليًّا وخصَّنا بمقابلات مهمة، من بينهم ‏الرئيس الراحل جاك شيراك الذي أعطى "العربية" مقابلة خاصَّة بعد حرب العام 2006 التي شنَّتها إسرائيل على لبنان، وقبل ذلك وبعده أجرينا مقابلات خاصَّة مع عدد كبير من الذين تعاقبوا على منصب وزير الخارجية، من بينهم لوران فابيوس وبرنار كوشنير وفيليب دوست بلازي وميشيل أليو ماري وجان إيف لو دريان وغيرهم كثيرون. هؤلاء يعرفون أننا منصة إعلامية رئيسية في العالم العربي يمكنها الوصول إلى شرائح واسعة من المشاهدين.

  • قطعت آلاف الأميال مشيًا وفي القطارات أثناء تغطيات للأحداث ومنها متابعتك قوافل هجرة اللاجئين في العديد من المناطق، ما أهم الذكريات التي تبقى عالقة في ذهنك؟

‏تغطيتي في أوروبا كانت متنوعة من حيث البلدان الكثيرة التي شملتها، ومن حيث موضوعات التغطية وبعضها كان سياسيًا بامتياز كالمؤتمرات الدولية أو الإقليمية التي تنعقد في مدن وعواصم أوروبية، فيما كانت التغطيات الأخرى ميدانية. غطَّينا مؤتمرات دولية حول أزمات وحروب أوكرانيا وسوريا ولبنان واليمن وليبيا وغيرها، كما غطَّينا اجتماعات بين الدول الغربية وقممًا لحلف الناتو ومجموعة الدول السبع. أما ميدانيًا فقد كانت تغطية ظروف تدفُّق اللاجئين السوريين إلى أوروبا الأعمق تأثيرًا في نفسي، فعدد المشاهد المؤثرة خلال هذه التغطية يصعب ذكره في مقابلة واحدة. شملت جولاتنا عددًا كبيرًا من الدول، أذكر من بينها ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والمجر وصربيا، كما زرت لاجئين سوريين في مدينة الناضور المغربية، من بين كل ذلك أتذكَّر أنه في الأسبوع الثالث من سبتمبر 2015 وصلنا إلى المنطقة الحدودية بين المجر وصربيا، وقفنا عند السياج الشائك من جهة المجر (هنغاريا)، وكان هناك لاجئون عند الجانب الصربي من السياج معظمهم سوريون من بينهم سيدة ثلاثينية اسمها لمى، قالت لي إن زوجها قتل في تفجير في دمشق، فحملت طفليها وخاطرت بركوب زورق إلى اليونان، ومن هناك قطعت حدود ستِّ دول أوروبية كانت تعبرها مشيًا على الأقدام أحيانًا، في المنطقة الحدودية لكلِّ دولة، وفي صربيا منعتهم السلطات من التقدم نحو المجر للعبور بعدها إلى النمسا ثم ألمانيا التي كانت وجهتهم، قالت لنا لمى وهي تبكي إنها تنام في الغابات مع طفليها منذ عشرة أيام وهي عالقة على الحدود، وقد تكون مضطرَّة للعودة إلى سوريا حتى لو كلَّفها ذلك حياتها، لكن ما تخشى عليه هو حياة الطفلين.

وفي مشهد آخر في محطة قطارات في بودابست كان طه يحمل على كتفيه طفله المصاب بشلل تسببت به شظيّة قذيفة في حلب، كان متعَبًا من عبور غابات حدودية، وكان سعيدًا لأنه وصل إلى مدينة فيها كل ما يحتاجه، بعد ذلك راح يغنِّي لطفله كي ينام بين يديه وسط ضجيج مئات اللاجئين الذين غصَّت بهم محطة مترو الأنفاق في العاصمة المجرية، لم يبقَ مع طه من المال ما يكفي لدفع بطاقة القطار من بودابست إلى فيينا، وكان هذا حال كثيرين تقطَّعت بهم السبل في عدة دول أوروبية، طلبتُ مساعدة منظمة إنسانية لضمان وصول طه ومجموعة من خمسين لاجئًا إلى العاصمة النمساوية التي رافقتُهم إليها ومعي ناشطة في منظمة إنسانية مجرية كانت تبكي من وقتٍ لآخر من شدّة تأثُّرها الذي بلغ ذروته عندما سألَنا أحد اللاجئين: إلى أي بلد وصلنا؟ وقد اختصر ‏هذا السؤال حالة الضياع والتيه التي عاشها اللاجئون حينها.

  • ما الحدث الذي توليت تغطيته وتعتقد أنك لم تنسه أبدًا؟

‏بالإضافة إلى تغطية عبور اللاجئين نحو أوروبا، ‏أتذكَّر كم حظيَ استشفاء الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات باهتمام إعلامي عربي وغربي منذ وصوله في 30 أكتوبر 2004 إلى مستشفى بيرسي العسكري في ضاحية كلامار الباريسية.


على مدى 13 يومًا وحتى ‏تاريخ وفاته في 11 نوفمبر منعت الشرطة وصول السيارات إلى الطريق الرئيسية المؤدِّية ‏إلى مدخل المستشفى، لإفساح ‏المجال أمام حشد من مئات الصحفيين والمصورين والتقنيين الذين كانوا يغطُّون ويتابعون يوميًّا الوضع الصحي لأبي عمَّار، ‏وقد زاره الرئيس جاك شيراك ‏في المستشفى ثم حضر ‏في يوم وداع جثمانه في مطار فيلا كوبلي العسكري قرب باريس،‏ وكان لافتًا أن يحتشد المئات من المهاجرين العرب، فور إعلان وفاة عرفات، أمام مدخل المستشفى وكان معظمهم من الشابات والشبان، شاهدت بعضهم يبكي تأثّرًا، ومعظم هؤلاء يتحدَّرون من المغرب والجزائر وتونس، وكانت "العربية" تنقل كلَّ ذلك عبر مداخلات مباشرة على مدى أسبوعين.

من بين تغطياتي التي لا أنساها أيضًا تغطية انتفاضة 17 أكتوبر 2019 في بيروت ضد فساد الطبقة السياسة، وقد دامت هذه التغطية نحو الشهرين، وفي نهاية العام 2018 كانت التغطية الميدانية الأطول، ولكن في فرنسا ‏حيث اندلعت احتجاجات حركة "السترات الصفر" ضدَّ فرض ضرائب جديدة على قطاعات معينة كالوقود ورفضًا لسياسات ماكرون الليبرالية، كما وصفها المحتجُّون حينها.

  • ما المقابلة التي أجريتها ولا تزال تعتبرها حدثًا مهمًّا في حياتك العملية؟

‏من بين عشرات المقابلات التلفزيونية التي أجريتها منذ العام 2003 هناك ‏مقابلتان برأيي أعتبرهما، الأهم من الناحية المهنية، وهما المقابلة التي خصَّ بها "العربية" الرئيس الراحل جاك شيراك، وكان توقيتها مهمًّا جدًّا، لأنه جاء بعد أيام على انتهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف العام 2006، وكان شيراك غاضبًا مما قامت به إسرائيل من هجمات عشوائية أوقعت عددًا كبيرًا من الضحايا في صفوف المدنيين اللبنانيين، وكان متأثرًا جدًّا لأن حدثًا مأساويًّا بهذا الحجم غاب عنه صديقه رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري، الشخصية التي كانت لها علاقات دولية واسعة، كما قال لنا شيراك في المقابلة التي كانت الأولى التي يعطيها حصريًّا لقناة عربية.

‏مقابلتي مع شيراك كانت الأهم في توقيتها.. لكن المقابلة مع خدَّام كانت "خبطة" مسيرتي المهنية


‏أما المقابلة التي أحدثت ضجة واسعة في العالم العربي والتي أعتبرها "الخبطة" الأكبر في حياتي المهنية فهي تلك التي أجريتها في باريس أيضًا، قبل مقابلة شيراك، مع نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام وبُثَّت ليلة رأس السنة 2005-2006، والتي فجَّر خلالها "أبو جمال" مفاجآت إعلامية سياسية عندما أعلن خلال المقابلة انشقاقه عن نظام الأسد، وهو الذي كان أحد أهم أركانه ورموزه خلال أكثر من ثلاثين عامًا، ‏ثم اتهم النظام خلال إجاباته عن أسئلتنا باغتيال رفيق الحريري.


ما أتذكره من كواليس هذه المقابلة لا يتَّسع المجال لذكره هنا، ‏لكنني أكتفي بالقول إن شخصية سياسية محورية في لبنان اتصلت بي هاتفيًّا بعد بثِّ الحلقة الأولى لتعرف ما إذا كانت الحلقة الثانية ستتضمَّن مفاجآت كتلك التي حملتها الأولى، وكانت هذه الشخصية تخشى أن يكون خدام قال كلامًا من شأنه دفع قاضي التحقيق الألماني ديتليف ميليس، رئيس لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري، إلى طلب التحقيق مع هذه الشخصية. ‏أتذكر أيضًا أنه، وخلافًا لما حصل بعد مقابلات سابقة أجريتها، فقد تجاوز عدد الصحفيين، الأجانب خصوصًا، الذين اتصلوا بي بعد المقابلة لتسهيل وصولهم إلى خدام، الثلاثين صحفيًا.

  • ما هوياتك خارج إطار العمل الصحفي؟

‏مهنتنا ‏لا تترك الكثير من الوقت لممارسة الهوايات، الواجب العائلي يفرض التواجد مع زوجتي وأولادي الثلاثة، وهذا ليس متاحًا في كل الظروف، والوقت الذي أقضيه معهم هو الأكثر إمتاعًا لي، فيما عدا ذلك أسرق في الليل وقتًا للأصدقاء إذا استطعت، ثم لمطالعة ‏الكتب السياسية والتاريخية التي تركِّز على الصراعات الإقليمية والدولية، ‏وبعيدًا عن ذلك أهوى الاستماع إلى فيروز وأنا أمارس رياضة المشي في باريس في أوقات الفراغ القليلة، فتعيدني بأغانيها إلى بلدي الأم، افتراضيًّا.