قلت لأحد الزملاء الأصدقاء قبل فترة قصيرة، وعلى صعيد الفكاهة بطبيعة الحال: «إنني أشعر بأن اختبارات دخول الموظفين إلى شبكة "العربية"، تتم على أساس تربيتهم وأخلاقهم ونواياهم، أكثر من رصيدهم المهني». وقد لا يتوقع القارئ الكريم، أنني سأؤيد هذه النقطة وسأجيب عن فلسفتها، ولكن في الحقيقة بلى. إذ إن "العربية" أخذت على عاتقها أن تصنع طاقمها مهنيًّا، وتصقله بطريقتها وأسلوبها وشكلها ومضمونها، حتى بتنا إذا تعرفنا إلى زميل جديد، كان انطباعنا الأولي مبنيًّا على حجم شبهه بـ"العربية". نعم هكذا تكون الماركات المسجلة، التي ينظر الآخرون إليها قدوة يحذون حذوها، إذا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
بدأت عملي في "العربية" قبل أن أكمل عامي الثاني والعشرين من العمر، وها أنا اليوم في العام الثاني والأربعين. عشرون عامًا، تعلمت في خلالها، أن السلوك المؤسساتي للموظف، يأتي قبل الالتزام المهني. وأقول الموظف، وليس أي توصيف آخر، لأنه الأمر الثاني الذي تعلمته على مدى الأعوام العشرين، وهو أن تستمر في اعتبار نفسك موظفًّا، عندما تعمل في هكذا صرح، مهما علا مستواك الوظيفي أو شهرتك. وتعلمت أن المنافسة يجب أن تكون لنسختي أمس فقط وليس للآخر؛ وأن ألجأ حتى إلى زملائنا الأعزاء من باكستان والهند ونيبال، عندما تفاجئني أثناء تحضير النشرات والبرامج، أسماء مواقع وشخصيات من دولهم. كما تعلمت أن آراء زملائك بك، هي التي تصنعك، قبل رأي مديريك، وأن أحدًا منهم لن يتورع عن مساعدتك حتى النهاية، ولكن إن أنت سمحت لهم بذلك.
بصراحة، تخطر ببالي الآن فكرة تحضني على احتساب عدد النشرات والمقابلات اليومية والبرامج الأسبوعية، التي قدَّمتها وأسهمت في إعدادها، طيلة فترة وجودي في ما أصبح الآن "شبكة العربية". وبحسبة سريعة جدًّا، أجد أنها وصلت إلى خمسة آلاف نشرة وعشرين ألف مقابلة إخبارية وألف حلقة خاصة بالبرامج. ولكنْ أقولها، وبكل صدق، ما زلت أتعلَّم كلَّ يوم. وهذه متعة العمل في الإعلام، ومتعته قريبة أيَّما قرب من متعة الحياة نفسها، التي لا تشعر بها إلا بتفعيل شغف الاستكشاف كلَّ لحظة في حياتك.
عندما تتسيَّد الساحة الإعلامية العربية محطة واحدة، فهي تقود، ليس فقط لقوتها، وإنما أيضًا لعدم وجود منافس. ولكن من يأتي ثانيًا زمنيًّا وجاهزًا بما يكفي، يرفع سقف التحدي ويفرض شروط لعبة جديدة تجعل الأول مضطرًّا إلى المنافسة في إطارها، محاولًا اللحاق بها. وقد كانت هذه طبيعة الأمور في الإعلام العربي لعقود. ورغم أنه نَمَا وكبُر واتَّسع، بيد أنه ظلَّ تحت سقف قواعد تلفزيونية معروفة أو مستحدثة مرعيَّة التطبيق. أمَّا ثورة وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، فلا شك أنها باتت تضيف تحديات كبرى في فضاءات الإعلام العربي، غير المهدد بوجوده، وإنما المضطر إلى عصرنة مواكبته لها، بمقاربات وآليات ووسائل جديدة. وهذا ما أرى، من حيث طبيعة عملي، أنني بحاجة ماسَّة الآن إلى تعلم جديده والتركيز على التدريب والتنمية والتطوير بمجالاته كافة في أقرب وقت.
ولعلَّ ذلك يَحدث قريبًا بحول الله عندما أَسْتَقِلُّ قطار الرياض!