ففي سباق حثيثٍ مع الزمن، قفزت الجماعة منذ تخلِّي الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك عن حكم البلاد في 11 فبراير 2011 بصورة محمومة، نحو الهدف الأعلى المؤجَّل لها منذ مؤتمرها الخامس، وهو الاستيلاء على حكم مصر. واستطاع الإخوان استغلال الأوضاع الجديدة شديدة الاضطراب التي لحقت بمصر، الرسمية والشعبية، وأضافوا إليها مساحات أوسع من الاضطراب والفوضى؛ لكي ينتهي الأمر في يونيو 2012 بسيطرتهم على منصب رئاسة الدولة، لتكتمل هيمنتهم على الحكم في مصر، بعد حيازتهم الأغلبية المطلقة لمجلسي البرلمان (الشعب والشورى) خلال عام قبلها. وبهذه الخطوة اكتملت «خطة التمكين» التي اكتشفتها أجهزة الأمن المصرية عام 1992. وهي التي كانت ترمي بحسب نصها إلى: «الاستعداد لتحمل مهام المستقبل وامتلاك القدرة على إدارة أمور الدولة، وذلك لن يتأتى بغير خطة شاملة تضع في حساباتها ضرورة تغلغل الجماعة في طبقات المجتمع الحيوية، وفي مؤسساته الفاعلة، مع الالتزام باستراتيجية محددة في مواجهة قوى المجتمع الأخرى والتعامل مع قوى العالم الخارجي».
فقد قدرت الجماعة أن تلك كانت هي اللحظة التي طال انتظارها للقفز والاستيلاء على حكم مصر، حسب تصورها بأنها استكملت خلال تاريخها الطويل «خطتها الشاملة للتغلغل في طبقات المجتمع الحيوية ومؤسساته الفاعلة» اللازمة لهذا، وزاد من غوايتها قدراتها التنظيمية المتوارثة -عبر هذا التاريخ- على الحشد والحركة، والضعف الشديد الذي انتاب مختلف الأطياف السياسية المصرية بالمقارنة معها.
وفور تحقق الهيمنة الكاملة للجماعة على حكم مصر، بطريق «الانقلاب الديمقراطي»، الذي أوصلها إليه «صندوق الانتخاب» واعتراف العالم، ما وضع هذا «الانقلاب» الفعلي في صورة تطور «ديمقراطي» شكلًا، اندفعت الجماعة في العملية التي حلمت بها لعقود طويلة، وهي «أخونة» أجهزة الدولة وتشكيلات المجتمع. ولم يكن أمام المصريين من سبيل حينها سوى خروجهم التاريخي بعشرات الملايين، لإسقاط حكم الإخوان في ثورة 30 يونيو 2013 العظيمة، بعد عام واحد فقط لهم من استيلائهم على رأس حكم مصر، وهو ما غير وللأبد تاريخ الجماعة الطويل ومسارات مستقبلها.
على هذه الخلفية، أتت فكرة الموسم الأول من برنامج «مراجعات» الذي أنتجته وبثته قناة «العربية» على مدار 29 حلقة، تضمن كلٌّ منها لقاءً لنحو ساعة مع أحد قيادات أو أعضاء الجماعة السابقين، سيدةً أو رجلًا؛ ليقصَّ تجربته الشخصية مع الجماعة، بدءًا من مسار تجنيده فيها ثم عضويته بها، وصولًا إلى رحيله منها نهائيًّا بغير رجعة، وانفصاله الفكري والتنظيمي عنها بصورة تامة.
وقد قصَّ كلٌّ من هؤلاء تجربته الشخصية المحددة وشبه المفصلة مع الجماعة طوال سنوات، موضحًا أسباب الانضمام وضرورات المفارقة، ودوافع مراجعته الفردية، بما وضع كل هذه الخبرات المتفرقة غير المُكرَّرة تحت عنوان واحد صالح لضمها جميعًا وهو: «مراجعات».
هؤلاء المفارقون لتنظيم الإخوان، الذين يمثلون مجموعة من الشخصيات العامة في مصر، هم من هؤلاء الذين اهتموا بالعمل العام ومارسوه وظلوا بداخله، وانطلاقًا من المصلحة العامة انضموا -أو بعضهم على الأقل- إلى الجماعة، وقضوا وقتًا بداخلها وهم يبحثون عن أهداف العمل العام، لا عن أنفسهم، فلما افتقدوها تركوا الجماعة بغير رجعة.
في «مراجعات» كلهم كشفوا، واحدًا بعد آخر، كذب الادعاءات التي روَّجت لها الجماعة طوال تاريخها، مؤكدين أنها كانت جماعة سياسية بامتياز، مدللين على ذلك بفضح حقيقة ما يُعرف بـ«التنظيم الخاص» السري والعنيف، المحرك الأساس للجماعة، الذي أنشأه مؤسسها حسن البنا في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي، وأن الأهداف المثالية التي كانت ترفعها الجماعة بمزاعم خدمة الإسلام، ما هي إلا غطاءٌ دعائيٌّ وضعته الجماعة لإخفاء هدفها الحقيقي المتأصل في فكرها منذ التأسيس، وهو «التمكين» والسيطرة على الدولة ومؤسساتها، للوصول إلى السلطة والتفرد بالحكم، في ازدواجية ما يُعرف بـ «الخلط ما بين الدعوي والسياسي».
عبر هذه السلسلة المتصلة من الحوارات يقدم كلٌّ من هؤلاء مراجعته الفردية، ويوضح أسباب الانضمام وضرورات المفارقة، ونحن هنا إزاء حالات غير مُكرَّرة؛ فلكلٍّ منهم قصة تستحق أن تُروَى، وتجربة وشهادة وتفاصيل يجب أن نلقي الضوء عليها. ولقد تباينت أعمارهم، وتشابهت شهاداتهم في كثير من الأحداث، ناقلة تجارب حيَّة تحمل الكثير وتكشف عن خفايا ودهاليز ممارسات الجماعة تنظيميًّا وحركيًّا. جماعة رفعت لواء العمل الدعوي ظاهريًّا، لكنها منذ التأسيس كانت تخفي باطنيًّا الهدف الأساس، وهو الوصول إلى السلطة حتى لو كان الطريق يحمل بعضًا من العنف، لدرجة أن كثيرًا من تلك الشهادات ربطت بين أفكار حسن البنا، باعتبارها اللبنة الأولى، وبين فكر كل الجماعات والحركات التي مارست العنف والإهاب باسم الإسلام، منذ حوادث اغتيال المستشار أحمد الخازندار وكيل محكمة الاستئناف الأسبق، في 22 مارس عام 1948، واغتيال رئيس وزراء مصر حينها، محمود فهمي النقراشي باشا، في 22 ديسمبر من نفس العام، على يد عناصر التنظيم الخاص للجماعة، التي طُوّرِت فيما بعد من قبل تلك الحركات والجماعات كل منها بطريقته واسمه المختلف عن الآخرين.
وبعدما أسقط المصريون حكم الجماعة في ثورة 30 يونيو 2013، لم يحتج الأمر إلى تحليلات أو جماعات أخرى عنيفة وإرهابية لكي تتأكد حقيقة أن الجذور الحقيقية والبعيدة لكل هذا تعود إلى الإخوان وأفكارهم، وخصوصًا مؤسسهم، فقد مارسوا كل أعمال العنف والاغتيالات والتخريب؛ ردًّا على هذه الثورة التي أطاحت بحلم التنظيم بحكم مصر، وأخرجت الجماعة من التاريخ بعد نحو 80 عامًا من «حلم التمكين» الذي تحول بفضل ممارسات الجماعة إلى «كابوس» أطاح بكل تلك المخططات.