- «العربية» من الرياض، كيف ترى هذا الحدث الإعلامي الكبير؟ وكيف تقرأ أبعاده؟
قناة "العربية" مكانها في الرياض.. داخل المملكة العربية السعودية.
منذ سنوات، كنت أطرح على نفسي سؤالًا يبدو بديهيًّا، لكنه يحمل في طياته الكثير من المعاني: "لماذا لم تكن محطة بحجم قناة العربية، وهي قناة سعودية الأصل، موجودة في الرياض؟".
سؤال ظل عالقًا في ذهني، خصوصًا وأن الرياض هي قلب المملكة العربية السعودية النابض، مركز القرار والابتكار، ومدينة تصنع الأحداث بدلًا من أن تتابعها فقط.
لكن الظروف حينها كانت مختلفة تعيق فكرة تواجد المحطة داخل السعودية.. ثم جاءت رؤية 2030، بقيادة سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- هذه الرؤية لم تكن مجرد خطة اقتصادية أو إصلاحية، بل كانت إعلانًا واضحًا بأن السعودية تتغير، وبأن مكانتها كمركز عالمي سيشمل كل القطاعات، بما في ذلك الإعلام مع تلك الرؤية، تغيرت قواعد اللعبة، وشعرت أن الوقت قد حان لإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي.
حينما سمعت لأول مرة عن خطة انتقال "العربية" إلى الرياض، لم يكن ذلك مجرد خبر عابر بالنسبة إلي كان حدثًا رمزيًّا يعني أن السعودية تستعيد شيئًا كان من المفترض أن يكون لها منذ البداية في داخلي، شعرت بحماس غريب، وكأنني كنت أنتظر هذا الانتقال طوال مسيرتي المهنية،
أتذكر أول زيارة لي إلى مقر "العربية" الجديد في الرياض كان المبنى حديثًا، بروح تحمل مزيجًا من الطموح الذي شعرت به في عيون العاملين على تهيئة الأستوديوهات والمكاتب، كان الجميع يدرك أن هذه الخطوة ليست مجرد انتقال، بل إعادة تموضع في قلب المشهد الإعلامي العالمي.
واليوم، وأنا أرى كيف تتطور القناة في مقرها الجديد بالرياض، أتأكد أن هذا القرار كان أكثر من صائب.
- من طموح والدك الذي لم يتحقق بأن تصبح طبيبًا إلى اختصاصك الدراسي في اللغة الإنجليزية ثم العربية، وصولًا إلى الإعلام والمجال التلفزيوني بالأساس.. كيف كانت هذه الرحلة بمحطاتها المختلفة في حياتك؟
لطالما كان حلم والدي أن أكون طبيبًا، أرتدي المعطف الأبيض وأحمل في يدي سماعة تساعدني على فهم أجساد البشر وعلاجها بحكم الإعاقة التي أعاني منها.. لم يكن هذا الحلم بعيد المنال، فقد كنت طالبًا متفوقًا، وكان أمامي كل الفرص لتحقيقه.. لكن الأقدار تأخذنا أحيانًا إلى طرق غير متوقعة.. الإعلام أحدها.
لم أصبح طبيبًا للأجساد، لكنني اليوم إعلامي يعالج عقول البشر بالكلمة والحوار والفكرة.
- كيف كانت بداية رحلتك مع «العربية»؟
رحلتي مع قناة "العربية" بدأت قبل أن أنتمي إليها فعليًّا، أذكر زياراتي الدورية إلى دبي، حين كنت أقف أمام مبنى شبكة العربية وأتأمله من بعيد، كنت أختار النُزل المقابل للمحطة، وأتساءل عما إذا كان الحلم بأن أكون جزءًا من هذا العالم الإعلامي سيتحقق يومًا؟
في تلك اللحظات كنت أسأل نفسي "هل سيأتي يوم أكون فيه جزءًا من هذا العالم؟ هل سأعبر تلك الأبواب كمقدم برامج، لا كزائر؟".
لم أكن أملك الإجابة حينها، لم أكن أعلم أنني بعد سنوات قليلة وفي سنة 2014 سأصبح جزءًا من هذا الكيان الكبير، مقدمًا لنشرات الأخبار.
كان يوم التحاقي بقناة "العربية" لحظة مميزة في حياتي المهنية، حين دخلت مبنى المحطة لأول مرة، كان الشعور خاصًّا جدًّا، كان الأمر وكأنني عبرت بوابة عالم جديد.
منذ انضمامي إلى "العربية"، بدأت أكتشف الفرصة التي بحوزتي.. مع "العربية" أنت جزء من مشهد إعلامي كبير يشارك في تشكيل وعي المشاهدين كل يوم، أعتبر أن "العربية" أكثر من مجرد منصة إعلامية كبرى، إنها مدرسة تعلمت فيها الكثير عن الإعلام والمهنية، وما زلنا نتعلم معها في بيتها الجديد من الرياض.
- كيف ترى تجربتك مع نشرة الرابعة.. النشرة الأهم في المملكة العربية السعودية؟
في عام 2014، كانت اللحظة التي بدأت فيها تقديم "نشرة الرابعة" على قناة العربية وهي النشرة التي تتمتع بأعلى نسب مشاهدة في المملكة العربية السعودية، منصة مهمة تسلط الضوء على الأحداث المحلية والأخبار ذات الأهمية القصوى التي تشغل الرأي العام السعودي.
هذه النشرة محل ثقة كبيرة من إدارة قناة "العربية"، التي اختارتني لتقديمها، لم يكن هذا التكليف مجرد مهمة إعلامية عادية، بل كان مسؤولية حقيقية، حيث إن كل كلمة أقولها، وكل تقرير أقدمه، يتم متابعته من جمهور واسع في المملكة العربية السعودية، وكما هو معروف، المملكة العربية السعودية دائمًا ما تكون في قلب الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العالم العربي، ما يجعل "نشرة الرابعة" مصدرًا مهمًّا للمشاهدين الذين يتطلعون إلى معرفة كل جديد عن بلادهم.
نسب المشاهدة المرتفعة والمستمرة منذ سنين تشير إلى مدى الثقة التي تحظى بها قناة العربية لدى مشاهديها، وكذلك المكانة التي تحتلها نشرة الرابعة في قلب الجمهور السعودي.
عودة الروح مع "حوار مفتوح".
- وماذا عن مشوارك الإذاعي الذي استأنفته مع «العربية إف أم»؟
بعد سنوات من العمل في التلفزيون، شعرت أن الإذاعة تناديني من جديد، تلك العلاقة الحميمة مع المستمعين، والإحساس الذي لا يوصف عندما يخاطبك شخص قائلًا إنه شعر وكأنك تحاوره شخصيًا، هي أمور لا يمكن مقاومتها.
في عام 2001، بدأت مسيرتي من الإذاعة السعودية، وتجربتي الحالية في تقديم برنامج "حوار مفتوح" على "العربية إف إم" أعادت إليَّ تلك الروح التي كنت أعيشها في بداياتي، أجد نفسي أتنقل بين القضايا الاجتماعية والثقافية والإنسانية، أفتح الأبواب لنقاشات صادقة وشفافة.
كل مرة أفتح فيها الميكروفون، أشعر كما لو أنني ألتقي بأصدقاء قدامى، الإذاعة منحتني مساحة للتعمق أكثر في الحوار، لتجربة مختلفة عن التلفزيون، حيث أركز على الصوت والمضمون وحدهما، دون الاعتماد على الصورة.
الإذاعة تعتمد على الصوت فقط، مما يجعلها عالمًا يعتمد على الخيال والإحساس، الصوت فيها هو الأداة الوحيدة لإيصال الرسالة، ولذا يصبح اختيار الكلمات، نبرة الصوت، والإيقاع أمرًا في غاية الأهمية.
في التلفزيون، أنت لا تعتمد فقط على صوتك، بل على حضورك وشكلك ولغة جسدك. هناك تفاصيل صغيرة تصنع فرقًا كبيرًا، مثل اختيار الألوان، والإضاءة، وحتى طريقة الجلوس أو الوقوف، الضغط يكون أعلى، لأن كل شيء تحت أعين المشاهدين.
- أين يجد خالد المدخلي نفسه أكثر: الإذاعة أم التلفزيون؟
لكل وسيلة جاذبيتها، ولكنني أجد نفسي أكثر في التلفزيون، السبب ليس أن التلفزيون أفضل من الإذاعة، بل لأنه يجمع بين الكلمة والصورة، الصوت والحركة، أشعر أنني أستطيع التعبير عن نفسي بشكل كامل عندما أكون أمام الكاميرا.
في النهاية، سواء كنت خلف الميكروفون أم أمام الكاميرا الهدف واحد أن تصل الرسالة إلى الجمهور بأفضل صورة ممكنة، وأن تترك أثرًا يبقى في قلوبهم وعقولهم.
نعم استقلت من قناة العربية
- في منتصف سبتمبر 2017 استقلت من «العربية» لتتولى إدارة القناة السعودية، وفي 30 يوليو 2018، أي بعد حوالي عشرة أشهر فقط، تم الإعلان عن عودتك للانضمام إلى فريق العربية، كيف ولماذا قررت العودة؟ وهل من أجل ذلك استقلت من إدارة القناة السعودية والقناة الإخبارية؟
في سبتمبر من عام 2017، كنت أمام مفترق طرق في مسيرتي المهنية، قدمت لي إدارة قناة "السعودية الأولى" عرضًا لتولي إدارتها وعُهد إليَّ بمسؤوليات كبيرة داخل المؤسسة، كانت لديهم رؤية واضحة، وكان هناك تصميم حقيقي على إصلاح ما يحتاج إلى الإصلاح، وتحسين بيئة العمل الإعلامي في القناة.
ولكن في تلك اللحظة، لم أكن أعلم أن هذه الرحلة ستكون مليئة بالتحديات التي ستختبر قدرتي على التكيف، وستدفعني في النهاية إلى اتخاذ قرار لن يكون سهلًا.
العرض كان مهمًّا والمسؤوليات كانت أهم، قدمت استقالتي من قناة "العربية" معلنًا وجهتي القادمة، وفعلا بدأت خطتي الجديدة على رأس قناة السعودية الأولى، وباشرت تنفيذ خطوات إصلاحية تهدف إلى تحسين مستوى العمل داخل القناة، وتطوير أساليب تقديم الأخبار والبرامج بما يتماشى مع التطور السريع في عالم الإعلام.
كان لدي أمل كبير في تحقيق التغيير، لكن، مع مرور الأيام، بدأت ألاحظ أن هناك شيئًا ما يعوق كل هذه المحاولات، كان يبدو أن الجهود التي تبذلها الإدارة لتغيير الأساليب القديمة تصطدم بجدار من المقاومة غير المرئية.
تلك المقاومة لم تكن تأتي من خارج المؤسسة، بل من داخلها، وتتمثل في أشخاص لا أبالغ في أن أصفهم بـ"الأحجار المتكلسة"، هؤلاء الأشخاص يشكِّلون جزءًا من الكيان الإعلامي، ورغم أنهم في موقع يمكِّنهم من اتخاذ القرارات، فإن عقولهم كانت متمسكة بأساليب قديمة لم تعد تتماشى مع الواقع الإعلامي المتطور. كانت طريقة تفكيرهم جامدة، عنيدة، غير منطقية، تنكر ضرورة التغيير، وتتمسك بمفاهيم إعلامية قد عفى عليها الزمن.
رغم أنني كنت أؤمن بأن التغيير أمر حتمي، وأن الإعلام يجب أن يواكب العصر الحديث في كل جوانبه، شعرت مع مرور الوقت أنني عاجز عن التأثير في هذه البيئة التي ترفض التغيير، كان كل يوم يبدو وكأنني أواجه عقبة جديدة، وكل فكرة جديدة، وكل خطوة إصلاحية كانت تُقابل بنظرات شاردة، وكأن هناك من يعتقد أن الوضع الحالي هو الأفضل، وهنا، بدأت تساؤلاتي الداخلية تتزايد: هل يمكنني الاستمرار في هذه البيئة؟ هل سيكون بوسعنا إصلاح هذا النظام المتعثر؟
كان من الصعب أن أستمر في بيئة ترفض الابتكار، وتتمسك بالقوالب القديمة، فكرت في كل ذلك بعمق وفي لحظة مفصلية، قررت المغادرة.
استقلت من إدارة القناة السعودية، وفي 30 يوليو 2018، بعد حوالي عشرة أشهر فقط، توفرت لي سبل العودة إلى بيت قناة "العربية" فقررت العودة.
اليوم، وأنا أتذكر تلك الفترة، أدرك أن مغادرتي كانت خطوة ضرورية، كانت المغادرة بداية جديدة، وكانت العودة بعدها بمثابة بداية مختلفة تمامًا، تعلمت أن الإعلام لا يتطور إلا إذا كانت البيئة قادرة على استيعاب التغيير، وأن الشخص يجب أن يكون مستعدًا في أي وقت لاتخاذ قرارات صعبة، إذا كان الهدف هو التطور والنمو.
- منذ ديسمبر 2020 وأنت تقدم برنامج «سؤال مباشر»، كيف تنظر إلى هذه التجربة؟ وماذا ترى أنها أضافت لمسيرتك؟
منذ ديسمبر 2020، أصبحت فكرة برنامج "سؤال مباشر" جزءًا من رحلتي الإعلامية، وتحولت إلى محطة فارقة في مسيرتي، الفضل في الوصول إلى هذه المرحلة يعود إلى البيئة الإعلامية الداعمة التي وفرتها قناة العربية، وخاصة من خلال رؤية الأستاذ ممدوح المهيني مدير عام قناتي العربية والحدث، الذي آمن بأن الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أداة لتشكيل رأي عام حيوي ومؤثر.
كان الدعم المستمر من الأستاذ ممدوح المهيني لي شخصيًا والفريق بالكامل في تطوير البرنامج، عنصرًا أساسيًا في نجاحه.
"سؤال مباشر" أضاف إليَّ الكثير خلال مسيرتي الإعلامية، لطالما كنت أؤمن بأن سر نجاح المذيع يكمن في الإعداد الجيد والإصغاء الحقيقي، الضيف قد يكون شخصية عامة أو متخصصة، لكن التحدي يكمن في خلق حوار يثير اهتمام المشاهد، البرنامج يتطلب استعدادًا دائمًا ومرونة في التعامل مع مختلف الشخصيات، حيث تتحول الأسئلة إلى محاور تغير مسار الحديث.
البرنامج أصبح أكثر إثارة للجدل في السنوات الأخيرة، سواء داخل المملكة العربية السعودية أم في العالم العربي، ربما السبب في ذلك هو الأسلوب الخفيف والبسيط في الطرح وجرأة الضيوف التي تصنع الفرق دومًا، وهو ما يعمل عليه فريق الإنتاج بشكل دوري.
في عالم الإعلام المتسارع والمتغير أصبح لدى المشاهدين خيارات لا حصر لها من البرامج الحواريّة التي تعرض على مختلف القنوات، ولكن، ما الذي يجعل المشاهد السعودي والعربي يلتفت إلى برنامج حواري ويشعر بأنه بحاجة إلى متابعته؟ هل هو الموضوع الذي يناقشه البرنامج، أم هو الضيف الذي يستضيفه، أم ربما المذيع وطريقة تقديمه؟
هذا السؤال طرحته على نفسي مرارًا، أعتقد أن جذب المشاهد إلى برنامج حواري مثل "سؤال مباشر" يعتمد على توازن مثالي بين الموضوع، الضيف، المذيع، وطريقة الحوار، فالموضوع هو البداية، والضيف هو المحرك، ولكن المذيع وطريقة الحوار هما اللذان يمنحان البرنامج الحياة ويجعلانه مميزًا.
- "المذيع المثقف".. هل توافق على هذا الوصف؟
عندما يُوصف الشخص بأنه "مذيع مثقف"، قد يراوده سؤال عما إذا كان هذا الوصف دقيقًا أم مجرد إطراء، بالنسبة إلي، لا أعتقد أن هذا الوصف مجرد مصادفة أو مجرد كلمات تُقال، بل هو نتيجة لرحلة طويلة ومتكاملة بدأت منذ سنوات عدة، ودعني أتساءل معك: ماذا يعني أن تكون "مذيعًا مثقفًا"؟ وهل يستحق هذا الوصف أن يُنسب إليَّ؟
قد أوافق على أنني "مذيع مثقف" إذا كان هذا الوصف يعني أنني أستطيع إثراء المواد التي أقدمها بمحتوى ذي قيمة، يحفز العقل ويساهم في تشكيل وعي المشاهد، إذا كان هذا يعني أنني لا أقتصر على تقديم المعلومة فقط، بل أسعى إلى خلق نقاشات تفكر الناس في واقعهم وتوجهاتهم، فالثقافة بالنسبة إليَّ، ليست مجرد معرفة جامدة، بل هي رؤية شاملة، فأنا لا أسعى فقط إلى تقديم الخبر أو الحديث، بل تقديم إضافة حقيقية، لأني مؤمن بأن الإعلام أداة بناء.
في الماضي، كان المذيع المثالي أشبه بشخصية خارجة من كتاب بروتوكولات صارمة، عليه أن يتحدث بلغة عربية فصحى خالية من أي زلة لسان، يرتدي ربطة عنق مشدودة كأنها علامة التفوق الإعلامي، ويجلس أمام الكاميرا بوقار، كانت هذه المعادلة القديمة التي حكمت المشهد الإعلامي لعقود ربطة العنق على اليمين، الفصحى على اليسار، والنشرة في المنتصف.
لكن الزمن، كما يقولون، قلب الطاولة وأصبحنا نعيش في عصر لم يعد فيه الجمهور يتابع النشرة بانتظار مقدم بأناقة صارمة، بل ينتظر شخصًا عفويًّا يظهر على شاشة الموبايل، ربما بفنجان قهوة في يده، ليخبرهم بما حدث في العالم بطريقة سريعة ومباشرة، وبدون أي حاجة إلى ربطة عنق أو قميص مكوي بعناية.
اليوم، لم تعد الفصحى وحدها ملكة الإعلام، بل باتت اللهجات المحلية تتربع على عرش التفاعل. المذيع الذي يستطيع المزج بين الفصحى ونكهة الحديث اليومي هو الذي يملك القلوب. الجمهور يريد أن يشعر أن المذيع "واحد منهم"، وليس أستاذًا يلقي درسًا في النحو.
ومع كل هذه التغيرات، يبقى السؤال: ما معادلة النجاح الجديدة في المستقبل؟
أول موقف صعب مررت به خلال عملك الإعلامي، كان في العام 2007، عندما كنت تقدم برنامج «المجلس»، ماذا تتذكر عن تلك الحادثة؟ وهل كان لها تأثير في مسيرتك لاحقًا؟
نعم، كان أول موقف صعب مررت به خلال عملي الإعلامي ما حصل لي في عام 2007، حيث كنت أعيش واحدة من أكثر التجارب تحديًا في مسيرتي الإعلامية، كنت أقدم برنامجًا يحمل اسم "المجلس"، فكرة جريئة ومختلفة آنذاك، أطرح القضايا التي يناقشها مجلس الشورى، من خلال استضافة الأطراف ذات العلاقة لمواجهتها بتلك القضايا مباشرةً، كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها مشتعلة في جوهرها، وهذا ما جعل البرنامج يحظى بشعبية كبيرة في وقت قصير.
الحلقات التي نجحنا فيها باستضافة كل الأطراف كانت حواراتها عاصفة، لكن التحدي الحقيقي كان يظهر عندما يقرر أحد الضيوف عدم الحضور في تلك اللحظات، كنا نتخذ قرارًا مثيرًا للجدل نترك الكرسي المخصص للضيف فارغًا، ونضع ورقة تحمل اسمه أمام الكاميرا، كان الكرسي الفارغ أكثر قوة من أي كلمات يمكن أن تقال، رسالة صامتة، لكنها صاخبة تحمل في طياتها دلالات عديدة.
إحدى الحلقات الشهيرة، استضفت فيها شخصية، وكانت النقاشات على الهواء ساخنة، حد الغليان، لكنها أيضًا أثارت جدلًا واسعًا في الكواليس بعد انتهاء الحلقة، كنت أشعر بشيء غير مريح، وفعلًا لم تمضِ سوى أيام قليلة حتى وصلني القرار.. البرنامج موقوف مؤقتًا.
بعد فترة قصيرة من الإيقاف، عدت إلى الشاشة مجددًا، لكن في داخلي شعورًا غريبًا، شعورًا بأنني أوقع عقدًا غير مكتوب مع المجهول. ماذا لو تكرر الأمر؟ ومع ذلك، لم يدم الهدوء طويلًا بعد أشهر قليلة، كنت على موعد مع إيقاف آخر للبرنامج.
- في مناسبات عدة تحدثت عن الخطأ الطبي الذي كان وراء تغيير مجرى حياتك، ماذا تتذكر منه اليوم؟ وكيف استطعت أن تجعله دافعًا للنجاح والتفوق؟
أعتبر أن في مسيرتي هناك حكمة إلهية.. الله أخذ مني شيئًا.. يمكن المشي بشكل طبيعي، ولكنه عوضني عنه بالكثير، حتى عندما كنت صغيرًا وأشاهد الأطفال يركضون ويتحركون بشكل أسهل مني لم أحزن، كنت صغيرًا جدًّا لفهم كل التفاصيل الطبية، لكنني كنت أشعر أن شيئًا ما قد تغير.. لم أكن أفهم لماذا حدث هذا لي، ولماذا لم أكن مثل البقية؟
كان لدي عائلة قوية تدعمني، ووالدان لم يسمحا لي بالاستسلام، والدي كان يقول لي دائمًا "القوة في القلب والعقل" كلماته كانت تزرع داخلي بذور الإصرار رغم صغري.. الوالد علمني كيف أصمد.. ولم أر يومًا نظرة مختلفة في عينيه تجعلني أحس بأن الحياة لم تكن في صفي.
كبرت مع هذا الدرس الذي تعلمته صغيرًا "الحياة ليست عادلة دائمًا"، لكنها تعطينا فرصة لنثبت لأنفسنا أننا أقوى مما نظن، الخطأ الطبي الذي كاد يعرقل تفاصيل من حياتي لم يصبح سوى جزء صغير من قصتي، جزء علمني معنى التحدي والصبر، وجعلني أرى الحياة بمنظور مختلف.
اليوم، وأنا أنظر إلى الوراء، أدرك أن ذلك الطفل الصغير الذي كان يواجه صعوبة في المشي أصبح شخصًا يفخر بقوته الداخلية، الفكرية أيضًا، الخطأ الطبي ربما ترك أثرًا في ساقي، لكنه منحني قوة في روحي لم أكن أتخيلها.
لذلك أنا مدين لأبي.. لعائلتي.. أنا مدين لهم جميعًا.