في الثاني من يناير 2020، استيقظ مشاهدو «العربية» و«الحدث» على خبر وفاة نجوى. كان خبرًا صادمًا ومربكًا، فالإعلامية التي لم تتجاوز الثانية والخمسين من عمرها، كانت في اليوم السابق تشع بحضورها المتوهج على الشاشة. لم يكن هناك ما ينذر بلحظة الرحيل القاسي والفراق المؤلم.
كل الذين عرفوها عن قرب، بكوها بحرقة، وتحدثوا عن خصالها ومزاياها المهنية والإنسانية التي أعطتها مكانة استثنائية داخل المؤسسة وبين زملائها الذين عرفوها عن قرب أو عن بعد، والجمهور الواسع الذي رأى فيها سيدة بارعة الحضور، باذخة الأثر من خلال بلاغة التقديم والمحاورة.
انتشر خبر الرحيل: «بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تنعى شبكة "العربية" و"العربية الحدث"، الزميلة الإعلامية نجوى قاسم» ذات المشوار الصحافي الطويل «الذي بدأ مع العربية منذ انطلاقتها عام 2003 كمذيعة ومراسلة ميدانية، شاركت في تغطية عدد من الأخبار والحروب لاسيما في العراق وأفغانستان».
غرد ممدوح المهيني مدير قناتي «العربية» و«الحدث» على موقع «أكس»: «يوم حزين برحيل الإنسانة والصديقة والإعلامية الكبيرة نجوى قاسم خسرنا وجودها بيننا، ولكن ذكراها ستبقى معنا للأبد، أحر التعازي لعائلتها ومحبيها في كل مكان وللزملاء في (العربية) و(الحدث)، رحمها الله».
وبكثير من الحزن، نعاها الإعلامي والكاتب في صحيفة «الشرق الأوسط» عبد الرحمن الراشد: «عزيزة علينا فقيدة الإعلام وأيقونته نجوى قاسم، صدمتنا وغادرتنا في سلام. هذه المرأة العظيمة لم تخش الموت قط، نجت من محاولات اغتيال في العراق، وقبلها في أفغانستان، أحبها ملايين الناس، كانت قلبهم ولسان حالهم، كل الدموع التي تذرف لا تكفي لتعبر عن حزننا».
بدوره، قال تركي الدخيل سفير المملكة العربية السعودية في دولة الإمارات: «وداعًا للصديقة الغالية الأستاذة نجوى قاسم، وداعًا سيدة الأخلاق والأدب والمهنية والاحترافية، وداعًا صديقة الجميع».
الدكتور نبيل الخطيب، مدير عام قناة «بلومبيرغ» الشرق، غرد قائلًا: «مكانك سيبقى خاليًا، يأبى أن يملأه أحد غيرك أنت يا نجوى قاسم، مدرستك في الإعلام باقية كما ذكراك العطرة وصوتك الصاخب بالحق... هناك من الخسائر ما لا يعوض كما فقدان نجوى».
المواقف الوطنية التحررية جعلت الكثير من القلوب تنفطر أسفًا على الخبر الصادم برحيل نجوى. اختتمت الساعات الأخيرة من العام 2019 بدعاء لا يزال يرن في الكثير من الآذان والأفئدة: "يا رب عام خير على الجميع.. يا رب احفظ بلادنا وعينك على لبنان". كانت شديدة التعلق بوطنها وأمتها، وكانت كثيرة التأثر بما يمكن أن يمس الإنسانية من وجع أو ضير.
كتب سعد الحريري رئيس وزراء لبنان السابق، بحبر حزين: "صدمة حقيقية ومحزنة، أن ترحل نجوى قاسم في عز العطاء والشباب. رافقت مشوار تليفزيون المستقبل منذ تأسيسه، وسطعت على شاشته نجمة متألقة، قبل أن تنتقل إلى دبي حيث تابعت التفوق والنجاح".
قالت النائبة بولا يعقوبيان: "وداعا نجوى قاسم الوجه المشرف المشرق للصحافة الرصينة، سكت القلب بعيدًا عن بيروت التي خفق لأجلها دومًا، وبخاصة مع الثورة، مناضلة نسوية من أول من طالب بحق المرأة في الشراكة السياسية". وأجهش النائب بلال عبد الله بكلمات الوجيعة: «أهالي الشوف والإقليم وجون، فجعوا بوفاة سفيرتهم، الإعلامية نجوى قاسم، وهي في ذروة عطائها». وأوضح مفوض الإعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي صالح حذيفة: "يخسر الجسم الإعلامي اللبناني والعربي وجهًا رسم مسارًا بيانيًّا واضحًا في عالم الصحافة والإعلام". وقالت وزارة الخارجية الأمريكية: "نشعر بالحزن الشديد لوفاة الإعلامية نجوى قاسم، التي اشتهرت بمهنيتها وحبها لمهنة الإعلام، نقدم تعازينا لعائلاتها ولزملائها في العربية والحدث".
ودعت نجوى قاسم الحياة وهي على فراش نومها، لم تشعر بألم الرحيل، ولكن جمهورها الواسع من الأهل والأحباب والزملاء والمشاهدين واجه حجم الجرح الذي تركه غيابها المفاجئ.
بعد ساعات قليلة من انتشار الخبر، قال خليل المنصوري مساعد قائد شرطة دبي لشؤون البحث الجنائي، إن جميع المؤشرات والفحص الطبي المبدئي تؤكد أن وفاة الإعلامية اللبنانية نجوى قاسم في دبي، كانت "طبيعية ونتيجة أزمة قلبية". وأضاف أن "الإعلامية المتوفاة، البالغة من العمر 52 عامًا، كانت تعيش مع أفراد من أسرتها في منزل جديد بمنطقة المارينا، وفي أجواء اعتيادية احتفلت معهم وأصدقائها برأس السنة الجديدة، وتوجهت إلى سريرها بشكل طبيعي، وحين دق المنبه في الصباح لم تستيقظ ما أثار قلقهم، فتوجهوا إليها وحاولوا إيقاظها، لكنها لم تستجب فاتصلوا بالإسعاف وتبين من خلال الفحص وفاتها نتيجة أزمة قلبية، لافتا إلى أن هناك أطباء بين أفراد أسرتها، ولم تكن تعاني من أمراض أو مشكلات صحية قبل الوفاة".
ولدت نجوى قاسم في 7 يوليو عام 1967 في بلدة جون، وبدأت حياتها المهنية بالعمل في تلفزيون المستقبل المحلي، منذ تأسيسه مطلع التسعينيات ولمدة 11 عامًا، قبل أن تنتقل إلى قناة العربية عام 2003 مرافــقة انطلاقتها. وقضت الإعلامية الراحلة نحو 30 سنة في الإعلام، غطت خلالها حـــروبًا وتطورات سياسية مفــصلية وأحداثًا جذرية.
كانت بداية تجربتها منذ عام 1991 عبر «قناة الجديد» عندما أعلنت القناة عن حاجتها لمذيعين جدد فتقدّمت بطلب وقبلت، وعملت هناك لأشهر، ثم انتقلت بعدها لتكون أول مذيعة تطل عبر تلفزيون المستقبل في أوائل سنة 1993. غطّت أخبار الحروب في أفغانستان والعراق ولبنان، وقدمت برامج مهمة مختصة بالأسرى اللبنانيين والعرب في السجون الإسرائيلية. تابعت هذه القضية بشغف كبير حتى تحرير عدد كبير منهم. واجهت العديد من الصعوبات في المحطات الرئيسية لها كإعلامية، مثل تغطية الحرب على أفغانستان في عام 2001 كمراسلة حربية وتغطية الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، عندما نجت بأعجوبة من الموت بعد تعرّض «فندق فلسطين» للقصف الجوي من الطيران الأمريكي. ثم انتقلت إلى قناة العربية في عام 2003 للعمل كصحفية ومذيعة في المشروع الإعلامي العربي الكبير الذي انطلق آنذاك ليكون صوتًا جديدًا للعقل والمنطق والحرفية الإعلامية في منطقة الوطن العربي والشرق الأوسط.
حصلت نجوى قاسم على جائزة أفضل سيدة في عام 2006 في مهرجان الإعلام العربي الرابع، وفى العام 2011 تم اختيارها بين أقوى 100 سيدة في العالم العربي من قبل مجلة أريبيان بزنس، كذلك حصلت في العام 2012 على جائزة مؤسسة مي شدياق للإبداع التلفزيوني.
رحلت نجوى قاسم إلى عالم قدسي يحتاج إلى طيبتها ونقائها. كانت تعرف كيف تتقن عملها، كيف تنسجم مع طبيعة مهمتها ومع الفريق الذي تنتمي إليه، وكيف تحترم المشاهد، كانت رمزًا للحرفية والجدارة بهويتها كواحدة من أيقونات الإعلام العربي، كما كانت عنوانًا لكل المثل الإنسانية الرائعة، سواء في ارتباطها بأسرتها وزملائها ووطنها لبنان، أم بشبكة العربية التي عاشت فيها مرحلة الانطلاق نحو أبعاد أرحب، وفي نطاق أوسع، أم بالجمهور الواسع الذي كان يرى فيها نموذجًا للمذيعة المتمرسة والإعلامية المثقفة والمحاورة الذكية التي تطرح على ضيوفها ما يدور في عقول مشاهديها من أسئلة حارقة تحتاج إلى أجوبة مقنعة طالما كانت تصر على الوصول إليها.