لا شك أن سقوط نظام الأسد المتهم بقتل أكثر من نصف مليون سوري والمسؤول عن اعتقال مئات الآلاف هو نقطة تحول كبيرة في تاريخ سوريا، بل في تاريخ المنطقة بأسرها، وصلنا إلى دمشق وقوبلنا بترحيب كبير وابتسامات يبدو أنها ولدت حديثًا على وجوه السوريين إلى أن زرنا السجون وقابلنا ذوي المعتقلين.
هناك وجه آخر للحكاية.. أمٌّ تبحث عن أبنائها.. طفلٌ يحفر عله يجد والده.. مسنةٌ تبكي وتقول أخذوا حفيدي من يدي.. سيدة قالت لنا اعتقلوا أولادي الستة.. أبحث عن عظمة فقط من عظامهم.. لماذا لم يخبروني إن كانوا أحياء أم أموات.. والقصص كثيرة جدًّا، فسوريا فيها حوالي نصف مليون مفقود، أي نصف مليون عائلة لم يسمح لها رئيس النظام الفار وضباطه وسجانوه بمشاركة السوريين احتفالاتهم بهذا التغيير السياسي الأكبر في زمننا الحديث.
كيف لا وقد انتهى حكم عائلة الأسد الذي استمر 54 عامًا في 11 يومًا فقط!
نعم سقط النظام واحتفل السوريون بهذا الحدث الكبير لكن ملف المعتقلين والمخفيين لا يزال يؤلم الكثيرين، ومشاهد السوريين وهم يبحثون عن أبنائهم بين صور القتلى التي وصلت إلى المستشفيات كفيلة بإشعال ثورات وثورات ضد النظام الهارب.
ولم نكد نستفيق من هذه المشاهد حتى وصلت صور المقابر الجماعية التي باتت أقوى دليل على فظاعة الجرائم التي ارتكبها الأسد ونظامه، وباتت أعين السوريين عليها، حيث قالت لنا والدة معتقل إن هذه الصورة كافية بمفردها لمعاقبة رموز النظام ورئيسه، ودعت إلى استغلالها بهدف تحقيق العدالة لمن قتلوا في السجون.
لقد زرنا مواقع الهجوم الكيماوي في معضمية الشام وحرستا ودوما ووقفنا بالمكان الذي وقف فيه السوريون واختنقوا قبل سنوات، هذا وحده شعور كاف للقول إن تغطيتنا الإعلامية لهذا الحدث الكبير ليست مجرد تغطية عادية، بل هي بمثابة توثيق وأرشيف كامل لمذبحة العصر التي فر مرتكبوها إلى مناطق معلومة وأخرى مجهولة.