ها هي سورية حرة.. وها أنا ابنتها الصحافية أحذركم!
ها هي سورية حرة.. وها أنا ابنتها الصحافية أحذركم!
بقلم: نورا الجندي
رقم الإصدار يناير 2025
شارك
  • تم نسخ الرابط

شعور غريب تملَّك روحي عندما وطئت قدماي أول شبر من سورية، وتحديدًا مدينة درعا عند الحدود مع الأردن. فها أنا ابنة سورية التي لم تتركها طويلًا خلال سنوات الحرب، لكن زيارتي هذه كانت الأولى من نوعها بصفتي الصحافية.


دخلت مراسلة ميدانية لموقعي قناتي "العربية/الحدث" اللذين أعمل بهما منذ 10 سنوات، مجاهرة بمهنتي التي أعشق والتي أخفيتها طيلة تلك المدة. فقطع العلاقات مع الدول ومنع الصحافة من دخول سورية كان أبرز صفات النظام القديم. ولهذا تحتم عليَّ ولعقد من الزمن أن أتخفى، فحينما كان أمن المطار يسألني، كنت مضطرة إلى أن أجيب بأنني صحافية فنية مختصة بأمور الغناء والرقص، وهو اختصاص لطالما أطربهم.


دخلنا سورية بصحبة الصديق الأقرب وائل النبواني، ولم أكن لأتخيل أن أول مهمة صحافية ستكون لي حينما رفعت كاميرا هاتفي مسرعة إلى التقاط لحظة سجوده على أرض درعا وتقبيلها ثم صراخه أمام شاهدة (الجمهورية العربية السورية ترحب بكم) شاكرًا الله على هذه اللحظة، وائل ابن السويداء الذي حرمه النظام منها 14 عامًا كاملة.


تعلمنا في مهنة الصحافة، وخصوصًا في "العربية"، أن توثيق "الحدث" بدقة وسرعة أهم من الحدث نفسه، وهذا فعلًا ما كان.


دخل الفريق لتكون أول محطة سوق الحميدية وقلعة دمشق. وما أجمله من استقبال، إذ التمَّ علينا الأهالي وسارعوا إلى التقاط الصور بمجرد أن شاهدوا لوغو "العربية/الحدث".


فها هي سورية وهاهم السوريون المشتاقون إلى رؤية إخوتهم بعد سنوات اعتقلوا فيها بسجن كبير أطلق عليه اسم "مناطق سيطرة النظام". لم تقف الأمور عند هذا الحد، فحينما بدأت مهمتنا الصحافية على الأرض فعلًا كان الامتحان. إذ تهافت علينا الناس، ولكلٍّ منهم حكاية ومأساة يود سردها للكاميرا، مرحبين بنا بينهم.


وكم كانت الأوجاع عميقة، وكم كان الشعور صعبًا حينما سمعت وأنا ابنة هذه الأرض ما جرى فوقها وحتى "تحتها". وكم كانت الجراح غائرة حينما وثقت بقلمي أنا ابنة البلد ما عاناه أبناؤه. فهذا يبكي راثيًا أباه، وتلك تنوح على شقيق مفقود، وآخر يروي ما ألمَّ به وعائلته من قهر، ورابع يطلب وظيفة بعد أن أشقته البطالة.


كثيرة هي المواقف الصعبة التي مررنا بها طيلة أيام التغطية رغم قلَّتها، فمن صوب سمعت آلام الناس، ومن آخر شاهدت بأم عيني معاناة زميلي الإعلامي محمود الواوي ابن دمشق الذي أخفى النظام أخويه منذ 12 عامًا، ولم يرد عنهما -رغم كل البحث- أي حس أو خبر. كانت طموحاتي كبيرة عندما بدأت التجربة، فها أنا الصحافية الأصغر بين فريق المخضرمين، أمضي معهم أيامًا بكل ساعاتها، وأتعلم منهم كل صغيرة وكبيرة عن العمل الميداني، لأزيد من خبرتي خبرة، وأرضي شغفي بهذه المهنة الإنسانية العظيمة. فبينما أحضِّر تقاريري للموقع، أمضيت ساعات مع طاهر، أراه مشغولًا بتحضير حلقاته وإتمام تفاصيلها، ومثلها مع أنجي حينما كنت رفيقة دربها بتغطيتها لحمص عاصمة الثورة وأنا ابنتها، وأوقات مع سارة الشغوفة التي تبحث في كل مكان عن زاوية، وما أجملها مع ريم حينما تركض وتركض لتصل متألقة في ساعة حوارها. أما الأروع فكانت مع وائل وتقرير "التكية السليمانية" من قلب دمشق حينما وجدته يستعيد ذكريات هذا البلد العريق موثقًا، فخورًا يروي.


أما عن أصعب مشاهداتي، فكانت حينما روى واصل ذاك الفلسطيني العزيز الذي كان صديق أعظم أيام العمر، كلية الإعلام جامعة دمشق، ما مر به حينما اعتقل النظام شقيقه الأكبر أيهم، وما عاشته العائلة من مآسٍ. فواصل الذي بدأ برواية قصته معي للموقع، جذب بكلماته الزميل طاهر، فوحش "العربية" كما يعرف، لن يفوِّت عليه تفاصيل واصل فأطل الشاب معه فعلًا، وكانت من أجمل الحلقات وأكثرها حزنًا. إذ لم يتمالك واصل نفسه وهو يروي متأثرًا، فانهمرت الدمعات التي حاول جاهدًا إخفاءها، وسالت دموعنا نحن وراء الكواليس حزنًا.


كيف لا؟، وكنت معه يومًا بيوم أيام الدراسة حينما ألمَّت به الكارثة، كيف لا وعشنا نحن زملاءه أحزانه وشاركناه قلقه ويأسه. لم يكن واصل وحيدًا بطل رحلتنا، بل كنا كإعلاميين جنودًا غير مجهولين، حاولنا جاهدين نقل الصوت والصورة بكل صدق وشغف.


لقد كنا ولأول مرة، زملاء وإخوة نركض لاهثين باتجاه هدف واحد حققناه قبل حتى انتهاء مهمتنا بمجرد أن وصلتنا رسالة المدير العام شاكرًا ممتنًّا مادحًا فخورًا.


نعم يا سادة.. إنها سورية.. سورية السيدة.. سورية التاريخ والجغرافيا.. سورية الماضي والحضارة، مجهدة، متعبة، متألمة لما مرت به، لكنها كعادتها تستعيد عافيتها بكل ما أوتيت من قوة بهمَّة أبنائها الخائفين. نعم.. إننا خائفون.. فبلادنا تمرُّ بمرحلة المخاض، وكأنها ولادة من الخاصرة.. تحدث لكنها تذبح ألمًا. نعم.. نحن خائفون من المستقبل رغم كل تفاؤلنا، فنحن شعب الألوان والأديان، نحن أبناء جميع الأعراق، ونريد سورية كذلك. لا نرغب سورية بلون واحد، نرغبها ملونة، يطربها صوت الأذان وجرس الكنيسة، وسكبات الجيران وسلاماتهم لبعضهم. وبالختام.. نحن شعب عشق الحياة فانتصر، ومن بعد مخاضه لن يسمح لأحد أن يسرق منه الفرحة، ولهذا فإن ملقانا الساحات حالما قررتم خذلاننا ثانية.. فإياكم أن تفعلوها.