- ما الفلسفة التي انطلق منها برنامج «يتفكرون» على شاشة «العربية» منذ شهر سبتمبر الماضي؟
يهدف برنامج "يتفكرون" إلى المساهمة في جهود تجديد الخطاب الديني، لاسيما أن هناك فرقًا بين الخطاب الديني والوحي المنـزل، فالخطاب الديني يكون في حدود الاجتهاد العقلي البشري المرتبط بإمكانيات الشخص وقدرته. يعمل البرنامج على تحقيق معنى الاستخلاف من خلال إحداث التفاعل بين الإسلام والإنسان، وإلى إزالة كل ما لحق بالدين من بدع وخرافات، إضافة إلى تصحيح المفاهيم الدينية والفقهية الخاطئة.
كما أن برنامج "يتفكرون" يُفعِّل الفكر النقدي للموروث الديني، وتشجيع الحوار المعتمد على الأدلة والبراهين من الكتاب وصحيح السنة، وليس من خلال عقول وأفهام أناس آخرين، ومن أهدافه استيعاب الآخر عن طريق نشر قيم التسامح، والحوار الحضاري، والتعايش السلمي بين البشر، مهما اختلفت معتقداتهم وثقافاتهم.
ومن فلسفة برنامج «يتفكرون» أيضًا، الانتقال من المظهر إلى الجوهر، والعاطفة إلى العقلانية، ومن الغوغائية إلى العلمية، ومن التعسير إلى التيسير، ومن التقليد إلى التجديد، ومن الجمود إلى الاجتهاد، ومن الانغلاق إلى الانطلاق، ومن الانحلال إلى الاعتدال، ومن العنف إلى الرفق، ومن التنفير إلى التبشير، ومن التعصب إلى التسامح، ومن الغلو إلى الوسطية، ومن النقمة إلى الرحمة، ومن الاختلاف إلى الائتلاف.
- كما هو معلوم، فإن البرنامج يهتم بمعالجة القضايا الفقهية المستجدة بطريقة تتحدى الأفكار التقليدية وتفتح آفاقا جديدة للتفكير، هل تعتقد أنكم بدأتم في تكريس هذا الهدف، وبخاصة من حيث الاجتهاد في طرح العناوين الجدلية الكبرى؟ كيف ذلك؟
كثيرًا ما نجد أناسًا يحفظون "النقول الشرعية" ولا علاقة لهم بطبيعة العصر الذي نعيشه الآن، وعلى الجانب الآخر نجد أناسًا بطبيعة العصر، ولكن لا علاقة لهم بالنصوص الشرعية، برنامج «يتفكرون» يُعتبر همزة وصل بين النص الشرعي والعصر المعيش، بين النقل والعقل، وكيفية إسقاط النقل (أعني: القرآن الكريم وصحيح السنة التي توافقه) على العصر الذي نعيشه لحل مشاكله ونوازله من خلال إيجاد الحلول الشرعية لمشكلات الإنسان والمجتمع وقضاياهما المعاصرة، مثل «الإسلام والتكنولوجيا.. كيف ينظر الإسلام إلى التطور التكنولوجي؟ وهل يمكن أن يتعارض مع الدين؟»، و«التحديات الثقافية للمسلمين في الغرب.. بين الدين والهوية والانتماء»، و«مشاركة المرأة في الشأن العام.. بين حدود الشرع وتحديات الواقع»، و«المعاملات البنكية المعاصرة.. بين الشريعة والقانون»، و«نظرة الأحكام الشرعية للمستجدات الطبية»، و«نقل وزرع الأعضاء بين الطب والشريعة». كما يقدم البرنامج محاولة لفهم الدين في ضوء معطيات العصر، بما يضمن تصالح المسلم مع عصره، والمشاركة فيه بفاعلية، دون أن يشعر أنه كافر أو زنديق أو جاهل أو متخلف.
ومن حيث القضايا الجدلية الكبرى يتناول برنامج "يتفكرون" قضايا مثل «التكفير في الشريعة الإسلامية.. ضوابطه وشروطه ومزالقه»، و«حُجّية السُّنة في التشريع.. هل تكون السنة تشريعًا، ومعظمها أحاديث آحاد وموضوعة؟»، و«السُّنة النبوية والقرآن.. نسخٌ وتقييد أم دعم وتأييد؟ بمعنى: هل تُبطل السُّنة آيات القرآن وتجعلها مُحنَّطة لا يُعمل بها، ويصبح وجودها في القرآن الكريم لمجرد التلاوة والتبرك بها فقط؟»، و«صورة المرأة في الحديث النبوي.. تشويه أم تنزيه؟»، و«النزعة الذكورية في الفقه الإسلامي.. هل ظلم الفقهاء المرأة؟»، وغير ذلك من المواضيع الأخرى.
- على أي أساس يتم اختيار المواضيع المطروحة للنقاش والضيوف الذين يتبادلون الآراء داخل الإستوديو؟
أساس تحديد الموضوعات نابع من التوأمة مع العصر، وهو مرتبطٌ بما يمس احتياجات الفرد والمجتمع الآنية، وهذا الأساس يرتكز على ثلاثة مرتكزات، وهي أولًا: خلق الوعي الدِّيني (الأفكار والمفاهيم الدِّينيَّة)، إننا نختار موضوعات برنامج "يتفكرون" لتصوغ العقول والأفكار والمفاهيم وهذا ما أسمِّيه الوعي والثَّقافة، وثانيًا: خلق الوجدان الدِّيني (العواطف والمشاعر)، فكما يتعامل الدِّين مع العقل، يتعامل مع الوجدان، فإذا كان العقل يعني المفاهيم، والتَّصوُّرات، والأفكار فإنَّ الوجدان يعني العواطف والمشاعر والأحاسيس، وثالثًا: خلق السُّلوك الدِّيني، وأعني به الممارسات، والأفعال، والتَّصرُّفات، والحركة في الحياة اليومية.
ومن هنا يتم تناول كل الموضوعات المختلف فيها، والتي فُهِمت خطأً، إما عن جهل أو سوء نيِّة، في الفكر الإسلامي كله. أما من حيث اختيار الضيوف فنراعي فيها جانب الخبرة والقدرات العلمية والثقافية والتحليلية والتخصص في المجال الذي يدعو إليه موضوع الحلقة.
- لاحظنا وجود بعض إجابات المواضيع المستجدة على الساحة الإسلامية والمشهد الفقهي العام، مثل حكم بيع وشراء العملة الرقمية «البيتكوين».. هل ستواصلون في هذا المسار؟ وهل ترون ضرورة مواكبة العصر وملاحقة مستجداته برؤية دينية واضحة؟
يقينًا، هذا هدف رئيس من أهداف البرنامج، المستجدات المطروحة للنقاش على المستويات كافة ومختلف الأصعدة لتشمل المستجدات الطبية والتكنولوجية والثقافية والفنون وجوانب الحضارة الإنسانية كافة، ومن هذه الموضوعات: الإسلام والتكنولوجيا.. كيف ينظر الإسلام إلى التطور التكنولوجي؟ وهل يمكن أن يتعارض مع الدين؟، نظرة الأحكام الشرعية للمستجدات الطبية، مثل: جراحات التجميل، العلاج الجيني والخلايا الجذعية، بنوك الأعضاء، بطاقات الائتمان الإلكترونية، التورق المصرفي.
- هناك من المشاهدين من يطالب بالتطرق إلى القضايا الحياتية اليومية، وبخاصة المتعلقة بالأسرة والمجتمع وسلوكيات الأفراد والعلاقات فيما بينهم، لاسيما في ظل انتشار الأفكار الغريبة والفتاوى الشاذة، فهل لديكم خطة للسير في هذا الاتجاه؟
بكل تأكيد، فملف الأسرة والمجتمع هو المحور الرئيس للبرنامج، وعلى خارطة برنامج يتفكرون نناقش: (أنواع الزواج: زواج المسلمة من غير المسلم، زواج المحلل، زواج المسيار، زواج القاصرات عرفيًّا، زواج رسائل المحمول)، عقود الزواج والطلاق عبر وسائل الاتصالات الحديثة وتغيير الخِلقة، عمليات تجميد الأجنة، تحويل الجنس من رجل إلى امرأة والعكس (الجندر). وكلها موضوعات اجتماعية وأسرية في منتهى الخطورة.
- ما الأصداء التي أحدثها البرنامج لدى المشاهدين العرب أو الناطقين باللغة العربية وبخاصة في البلاد الإسلامية؟
الحمد لله رب العالمين الأصداء طيبة ومُبشرة، وبرغم الأحداث المسيطرة على الساحة العربية والإقليمية والدولية فإن برنامج "يتفكرون" أوجد له مكانًا عبر شاشة العربية ووسائل التواصل الاجتماعي، فقد أحدث هالة وحالة من النقاش الجاد بين مؤيد ومعارض، والعمل الجيد هو الذي يثير الجدل حوله، أستطيع القول: إن برنامج "يتفكرون" ألقى الحَجر في الماء الراكد، وسنرى في قابل الأيام برامج تحذو حذوه وتقتفي أثره، ليصبح برنامجًا رائدًا في تصحيح المفاهيم الخاطئة وإرساء قواعد منهجية علمية للربط بين النصوص الشرعية والواقع المعيش.
- يعد برنامج «يتفكرون» أول نافذة لجمهور مشاهدي «العربية» على الدكتور محمد خالد.. هل يمكننا التعرف أكثر على شخصيتك من خلال هذه المقابلة؟
أنا إعلامي وأكاديمي، أحاول أن أجد مكانًا تحت الشمس، ودورًا فاعلًا في تشكيل الوعي والعقل الجمعي، من خلال تنمية ذاتي ومهاراتي، ففي مجال العلم حاصل على دكتوراه في اللغة العربية – قسم علم اللغة والدراسات الساميّة والشرقيّة، جامعة القاهرة. وقمت بالتدريس في العديد من الجامعات داخل مصر وخارجها.
وفي المجال الإعلامي: أنا مذيع ومقدم برامج، في الهيئة الوطنية للإعلام بمصر، كما عملت في مؤسسة الشارقة للإعلام بالإمارات، والقنوات المتخصصة كالقناة الثقافية وقناة التعليـم العـالــي وقناة التنوير وقنـــاة البحث العلـــمي وقناة صوت الشعب، وبدأت رحلتي الإعلامية من إذاعة صوت العرب بمصر. وقمتُ بإعداد وتقديم عشرات البرامج الدينية والفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية والتاريخية، والحمد لله معظمها منتشر على وسائل التواصل الاجتماعي بأسمائها.
- في السنوات الماضية، تعددت القنوات والبرامج الدينية في الدول العربية، كيف تقيم أداءها العام باعتبارك صاحب تجربة مهمة في المجال؟
أشكرك على هذا السؤال، وأرجو أن تسمح لي بالإجابة في محورين: المحور الأول يتعلق بتقييم أداء الفضائيات، والمحور الثاني يخص المشاهدين الذين يتابعون برامج الفضائيات الدينية.
بخصوص الفضائيات الدينية وما تقدمه من برامج، ألحظ أننا أمام خطابين دينيين، كلاهما ضار بأمتنا: الخطاب الأول، هو خطاب الغلو والتطرف، والعنف والتشدد، والخطاب الثاني هو خطاب الانفلات والاستلاب الثقافي والديني والحضاري، الذي يدعو إلى تغيير ديننا وقيمنا، وللأسف كثير ممن يقدم هذين الخطابين أناس ضعاف المستوى، ولا يملكون حضورًا أمام الكاميرا.
ومن وجهة نظري أرى بعض السلبيات للفضائيات الدينية، منها اختزال الدين في أهداف جزئية أو مرحلية، والبعد عن الأهداف الكلية للدين، وعدم الاستفادة من العلوم العصرية والوسائل الحديثة، ومحدودية الخطاب الديني وسطحيته، وعدم مراعاة فقه الأولويات ولا فقه الموازنات، ومغايرة الخطاب الديني للواقع المعاصر، فنحن الآن في القرن الحادي والعشرين، وهناك من يريد الرجوع إلى القرن الأول الهجري، والمذهبية الضيقة والحزبية المقيتة، فكل تيار ديني يدعي أنه الحق وما سواه باطل، وتقديم خطاب أجوف لا يلبي حاجات المجتمع وتطلعاته، بسبب قلب هرم الأولويات، إضافة إلى العنصرية والإقصاء لكل من لا يتبع فكرها ولا يلتزم بمنهجها، وتحويل النصوص التراثية الثانوية إلى نصوص أصلية مقدسة، ورفض أي خلاف فكري، وصار شعارهم (أنت معي فأنت قديس، أنت ضدي فأنت إبليس)، والجمود والركود وعدم التجديد في الموضوعات والأساليب، وعدم فهم ظروف وبيئة المخاطَب، واستعمال قوالب الخطاب سابقة الصنع، وإهدار الحاضر وتجاهله، ويتجلى هذا في البكاء الدائم على الماضي.
كما أن انعدام المرجعية الشرعية المعتبرة وغياب التأصيل، سبب خللًا في ترتيب الأولويات، وتبني التكفير، وعدم احتمال الآخر، واضطرابًا في سياقات الخطاب الدعوي، حيث قدموا النهي على الأمر، والعكس صحيح، لأن الأمر مقصود لذاته والنهي مقصود لتحقيق الأمر، وعجز الأساليب وفقر الموضوعات، من حيث المحتوى والمضمون، والوسائل والأساليب، فأصبحت الأساليب الدعوية قبورًا لأفكار ومعتقدات أصحابها، وعدم مخاطبة العقل والفكر، والاعتماد على الجانب الوعظي والعاطفي والحماسي، وبُعد الرؤية الشرعية لكثير من القضايا المعاصرة التي تهم الإنسان المعاصر.
كل ما سبق ذكره من سلبيات الخطاب الديني المعاصر ينتهي بنا إلى نتيجة حتمية مؤسفة وهي تشويه صورة الدين ونشر التبلد والعنف والفوضى.
أما من حيث المشاهدين الذين يتابعون برامج القنوات الدينية، فأصنفهم إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول يؤيد الخطاب الديني الحالي دون سعي إلى التجديد، بسبب كُرهه للدراسة والتحقيق والتدقيق، والصنف الثاني لا يفهم الخطاب الديني، لمخاصمته عصرنا، ويعتبره خطابًا رجعيًّا متخلفًا، والصنف الثالث فَهِم الدين على هواه، بعيدًا عن الضوابط والأسس العلمية، فكَوَّن لنفسه فهمًا خاصًّا، معتقدًا أنه الفهم الصحيح، وما سواه باطل. كالجماعات المتطرفة التي استدعت نماذج تاريخية من عصور غابرة لتعيش بها في العصر الحديث، باعتبار أن هذه النماذج هي الدين الإسلامي، وما عداها كفرٌ وجاهليةٌ.
- ما الشروط التي تعتقد بضرورة توافرها في مذيع البرامج الدينية؟
بدايةً لي ملاحظة على ثقافة معظم مقدمي البرامج الدينية، مفادها أن ثقافتهم ثقافة سماعية لا بحثية علمية. أما من حيث الشروط الواجب توافرها في مقدم البرامج الدينية فأوجزها في ثلاث نقاط: أن يكون ملمًّا بالقضايا الدينية وطبيعة الخلاف فيها، وأن يكون حافظًا القرآن الكريم وكثيرًا من صحيح السُّنة، وله باع كبير في علوم القرآن وعلوم الحديث والفقه وأصوله، والتاريخ والسِّيَر، وأن يكون متمكنًا في علوم اللغة العربية لأنها لغة القرآن وعليها مدار الأحكام والتشريع.